اذكـآر وأدعيـة   دعاء من أصابته مصيبة   .. ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول كما أمره الله إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها إلا أخلف الله له خيراً منها (رواه مسلم632/2)   دعاء الهم والحزن    .. ما أصاب عبداُ هم و لا حزن فقال : اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماضِ في حكمك ، عدل في قضاؤك أسالك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك ، أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ، ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي " . إلا أذهب الله حزنه وهمه وأبدله مكانه فرحاً رواه أحمد وصححها لألباني.لكلم الطيب ص74 اللهم إني أعوذ بك من الهم والخزن ، والعجز والكسل والبخل والجبن ، وضلع الدين وغلبة الرجال ". كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من هذا الدعاء   دعاء الغضب    .. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم رواة مسلم .2015/4   دعاء الكرب    .. لاإله إلا الله العظيم الحليم ، لاإله إلا الله رب العرش العظيم ، لاإله إلا الله رب السموات ورب العرش الكريم متفق عليه قال صلى الله عليه وسلم دعاء المكروب : اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين ِ وأصلح لي شأني كله لاإله إلا أنت الله ، الله ربي لاأشرك به شيئاً صحيح . صحيح سنن ابن ماجه(959/3) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" دعوة النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت :" لاإله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين لم يدع بها رجل مسلم في شئ قط إلا استجاب الله له . صحيح .صحيح الترمذي 168/3   دعاء الفزع    .. لا إله إلا الله متفق عليه   ما يقول ويفعل من أذنب ذنباً    .. ما من عبد يذنب ذنباً فيتوضأ فيحسن الطهور ، ثم يقوم فيصلي ركعتين ، ثم يستغفر الله لذلك الذنب إلا غُفر له صحيح صحيح الجامع 173/5   من استصعب عليه أمر    .. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً رواة ابن السني وصححه الحافظ . الأذكار للنووي ص 106   ما يقول ويفعل من أتاه أمر يسره أو يكرهه    .. كان رسول الله عليه وسلم إذا أتاه أمر ه قال :الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات و إذا أتاه أمر يكرهه قال : الحمد الله على كل حال صحيح صحيح الجامع 201/4 كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه أمر يسره أو يُسر به خر ساجداً شكراً لله تبارك وتعالى حسن . صحيح ابن ماجه 233/1)   مايقول عند التعجب والأمر السار    .. سبحان الله متفق عليه الله أكبر البخاري الفتح441/8   في الشيء يراه ويعجبه ويخاف عليه العين    .. إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة ، فإن العين حق صحيح. صحيح الجامع 212/1.سنن أبي داود286/1 . اللهم اكفنيهم بما شئت رواه مسلم 2300/4 حاب ، وهازم الأحزاب ، اهزمهم وانصرنا عليهم رواه مسلم 1363/3   دعاء صلاة الاستخارة    .. قال جابر بن عبدالله رضي الله عنهما : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يُعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمُنا السورة من القرآن ، يقول : إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ، ثم ليقل : اللهم إني أستخيرك بعلمك ، و أ ستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدِرُ ولا أقدِرُ ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام الغيوب ، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر -يسمي حاجته - خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال : عاجلة و اجله - فاقدره لي ويسره لي ، ثم بارك لي فيه ، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال : عاجله و أجله - فاصرفه عني واصرفني عنه ، واقدر لي الخير حيث كان ، ثم أرضني به رواه البخاري146/8   كفارة المجلس    .. من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه ؟ فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك : " سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك . إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك . صحيح. صحيح الترمذي 153/3   دعاء القنوت    .. اللهم أهدني فيمن هديت ، وعافني فيمن عافيت ، وتولني فيمن توليت ، وبارك لي فيما أعطيت ، وقني شر ما قضيت ، فإنك تقضي و لا يقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، تباركت ربنا وتعاليت صحيح. صحيح ابن ماجه 194/1 اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك ، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك " صحيح. صحيح ابن ماجه 194/1 اللهم إياك نعبد ، و لك نُصلي ونسجد ، وإليك نسعى ونحقدُ ، نرجُو رحمتك ، ونخشى عذابك ، إن عذابك بالكافرين ملحق ، اللهم إنا نستعينك ، ونستغفرك ، ونثني عليك الخير ، ولا نكفرك ، ونؤمن بك ونخضع لك ، ونخلع من يكفرك . وهذا موقف على عمر رضي الله عنه . إسناد صحيح . الأوراد171/2-428   مايقال للمتزوج بعد عقد النكاح    .. بارك الله لك ، وبارك عليك ، وجمع بينكما في خير صحيح. صحيح سنن أبي داود 400/2 اللهم بارك فيهما وبارك لهما في أبنائهما رواه الطبراني في الكبير وحسنه الألباني. آداب الزفاف ص77) على الخير والبركة وعلى خير طائر رواه البخاري 36/7 ( طائر : أي على أفضل حظ ونصيب ، وطائر الإنسان : نصيبه) ما يقول ويفعل المتزوج إذا دخلت على زوجته ليله الزفاف يأخذ بناصيتها ويقول : اللهم إني أسألك من خيرها وخير ما جلبت عليه وأعوذ بك من شرها وشر ما جُلبت عليه حسن . صحيح ابن ماجه 324/1   الدعاء قبل الجماع    .. لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال : بسم الله ، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا ، فإنه يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبداً متفق عليه   الدعاء للمولود عند تحنيكه    .. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يؤتي بالصبيان فيدعو لهم بالبركة ويحنكهم صحيح . صحيح سنن أبي داود 961/3) (التحنيك : أن تمضغ التمر حتى يلين ، ثم تدلكه بحنك الصبي)   ما يعوذ به الأولاد    .. أعوذ بكلمات الله التامة ، من كل شيطان وهامه ، وكل عينِ لامه رواه البخاري الفتح 408/6   من أحس وجعاً في جسده    .. ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل : بسم الله ، ثلاثاً ، وقل سبع مرات : أعوذ بالله وقُدرته من شر ما أجد وأحاذر رواه مسلم1728/4   مايقال عند زيارة المريض ومايقرأ عليه لرقيته    .. لابأس طهور إن شاء الله رواه البخاري 118/4 اللهم اشف عبدك ينكأ لك عدواً ، أو يمشي لك إلى جنازة صحيح . صحيح سنن أبي داود 600/2 مامن عبد مسلم يعود مريضاً لم يحضر أجله فيقول سبعة مرات : أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك إلا عوفي صحيح . صحيح الترمذي 210/2 بسم الله أرقيك من كل شئ يؤذيك ، من شر كل نفس ، وعين حاسدة بسم الله أرقيك ، والله يشفيك صحيح . صحيح الترمذي 287/1 أذهب الباس ، رب الناس ، إشف وأنت الشافي لاشفاء إلا شفاء لايُغادر سقماُ رواه البخاري الفتح 131/10   تذكرة في فضل عيادة المريض    .. قال صلى الله عليه وسلم : إن المسلم إذا عاد أخاه لم يزل في خرفة الجنة صحيح. صحيح الترمذي 285/1 قيل ما خُرفة الجنة ؟ قال : جناها . وقال صلى الله عليه وسلم :" مامن مُسلم يعود مُسلماً غُدوة ، إلا صل عليه سبعون ألف ملكِ حتى يُمسي ، وإن عاده عشيةَ إلا صلى عليه سبعون ألف ملكِ حتى يُصبح وكان له خريف في الجنة صحيح . صحيح الترمذي 286/1   مايقول من يئس من حياته    .. اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق متفق عليه اللهم الرفيق الأعلى رواه مسلم1894/4   كراهية تمني الموت لضر نزل بالإنسان    .. لايدعون أحدكم بالموت لضر نزل به ولكن ليقل : اللهم أحيني ماكنت الحياة خيراً لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي متفق عليه   من رأى مببتلى    .. من رأى مُبتلى فقال : الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به ، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً لم يُصبه ذلك البلاًء صحيح. صحيح الترمذي 153/3   تلقين المحتضر    .. قال صلى الله عليه وسلم : لقنوا موتاكم قول : لاإله إلا الله رواه مسلم 631/2 من كان آخر كلامه لاإله إلا الله دخل الجنة صحيح . صحيح سنن أبي داود 602/2   الدعاء عند إغماض الميت    .. اللهم اغفر ( لفلان) ورفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الغابرين واغفر لنا وله يارب العالمين وافسح له في قبره ونور له فيه رواه مسلم 634/2   مايقول من مات له ميت    .. مامن عبد تصيبه مصيبة فيقول :" إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مُصيبتي واخلف لي خيراً منها . إلا آجره الله تعالى في مصيبته وأخلف له خيراً منها رواه مسلم 632/2   الدعاء للميت في الصلاة عليه    .. اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نُزُله . ووسع مُدخلهُ . واغسله بالماء والثلج والبرد ، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ، وأبدله داراً خيراً من داره ، وأهلاً خيراً من أهله وزوجاً خيراً من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ( ومن عذاب النار ) رواه مسلم 663/2 اللهم اغفر لحينا وميتنا ، وشاهدنا وغائبنا ، وصغيرنا وكبيرنا ، وذكرنا وأُنثانا ، اللهم من أحييته منا فأحييه على الإسلام ، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان ، اللهم لاتحرمنا أجره ولاتضلنا بعده صحيح. صحيح ابن ماجه 251/1 اللهم إن فلان بن فلان في ذمتك ، وحبل جوارك فقه من فتنة القبر وعذاب النار ، أنت الغفور الرحيم صحيح . صحيح ابن ماجه 25/1 اللهم عبدك وابن عبدك وابن امتك إحتاج إلى رحمتك ، وأنت غني عن عذابه ، إن كان مُحسناً فزده في حسناته ، وإن كان مُسئاً فتجاوز عنه واه الحاكم ووافقه الذهبي . انظر أحكام الجنائز للألباني ص159   وإن كان الميت صبياً    .. اللهم أعذه من عذاب القبر حسن . أحكام الجنائز للألباني ص161. اللهم اجعله فرطاً وسلفاً ، وأجراً موقوف على الحسن - البخاري تعليقاً   عند ادخال الميت القبر    .. بسم الله وبالله ، وعلى ملة رسول الله ( أو على سُنة رسول الله ) صحيح. صحيح الترمذي 306/1   مايقال بعد الدفن    .. كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال :" استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يُسأل صحيح . صحيح سنن أبي داود 620/2   دعاء زيارة القبور    .. السلام عليكم أهل الديار ، من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المُستقدمين منا والمستأخرين وإنا ، أن شاء الله بكم للاحقون رواه مسلم 671/2   دعاء التعزية    .. إن لله ماأخذ وله ماأعطى . وكل شئ عنده بأجل مُسمى ...فلتصبر ولتحتسب متفق عليه

السبت، 13 فبراير، 2010

وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ( للأستاذ هارون قريسة )

ان الحمد لله نحمده و نستعينه و نستهديه و نستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهتدي و من يضلل فلن تجد له وليا مرشدا و أشهد أن لا الاه الا الله و حده لا شريك له و أشهد ان سيدنا محمدا عبدالله و رسوله طب القلوب و دواؤها و و عافية الأبدان و شفاؤها و نور الأبصار و ضياؤها اللهم صلي و سلم و بارك عليه و على آله و صحبه أجمعين

عباد الله موضوع خطبتنا اليوم ان شاء الله حول وفاته صلى الله عليه و سلم

أيها الناس : لما تكاملت الدعوة و انتشرالإسلام في كامل الجزيرة أخذت طلائع التوديع للحياة تظهر لرسول الله صلى الله عليه وسلم و منها نزلت عليه سورة النصر التي نعت اليه نفسه ثم انه صلى الله عليه وسلم اعتكف في رمضان من السنة العاشرة عشرين يوما و كان لا يعتكف إلا عشرة أيام و تدارسه جبريل القران مرتين وفي حجته قال إني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا و في أوائل صفر سنة 11 هـ خرج صلى الله عليه و سلم إلى أحد فصلى على الشهداء كالمودع للأحياء والأموات وأثناء رجوعه من الزيارة بكي قالوا ما يبكيك يا رسول الله قال ( اشتقت الي إخواني ) قالوا أولسنا إخوانك يا رسول الله قال ( لا أنتم أصحابي ) أما إخواني( فقوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني ).اللهم أنا نسالك أن نكون منهم ثم انه خرج ليلة إلى البقيع فاستغفر لهم و في يوم الاثنين 29 صفر شهد عليه السلام جنازة في البقيع فلما رجع وهو في الطريق أخذه صداع شديد روت عائشة انه عليه السلام رجع فوجدني و انا أجد صداعا وأقول وا رأساه فقال( بل أنا والله وا رأساه ) ثم قال يلاطفها( ما ضرك لو متي قبلي فقمت عليك و كفنتك و صليت عليك ودفنتك ) قالت و الله لكأني بك لو قد فعلت ذلك لقد رجعت الى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك قال فتبسم ثم تتام به وجعه تنتابه حمى شديدة( حتى غلبه المرض )وهو عند أم المؤمنين السيدة ميمونة فجعل يسأل أزواجه أين أنا غدا أين أنا غدا ففهمن مراده فأذن له أن يكون حيث شاء فانتقل إلى بيت عائشة يمشي بين الفضل بن عباس و على تخط قدماه فقضى عندها اخر أسبوع من حياته.

و يوم الأربعاء قبل خمسة أيام من وفاته ارتفعت حرارته واشتد به الوجع الا انه سمع أصوات أصحابه في المسجد وقد شق عليهم مرضه فطلب ان يهريقوا عليه من الماء حتى يخرج إليهم فأقعدوه في مخضب و صبوا عليه الماء حتى طفق يقول( حسبكم حسبكم )و عندها أحس بخفة فدخل المسجد و هو معصوب الرأس حتى جلس على آخر درجة من المنبر وخطب الناس وهم مجتمعون حوله فقال ( قاتل الله اليهود و النصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد فلا تتخذوا قبري وثنا يعبد ) ثم عرض نفسه للقصاص قائلا ( من كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد منه ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد منه الا و ان أحبكم الي من أخذ مني حقا ان كان له أو أحلني منه فلقيت الله و أنا طيب النفس ) الله أكبر ما أكرمه و ما أعدله لا يتنكر لمن طالب بحقه بل يجعل ذلك موجبا لزيادة الحب منه انه يريد من أمته أن تكون أمة عزيزة غير ذليلة السادة في عالمنا لا يحبون من يحاسبهم أو يطالبهم بحق لذلك لا يقربون منهم الا كل ذليل مهين لكن الاسلام يجعل كل انسان عبدا لله لا لغيره فكل من يؤمن بالله لا يطيق الظلم والقهر و يطالب بحقه و لا يسكت عنه هو على منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم و أحب الناس اليه قام رجل من صحابته طمعا في أن يكون محببا الى سيد الخلق فقال إن لي عندك ثلاثة دراهم فقال ( أعطه يا فضل ومن رحمته بأصحابه قال اللهم ان محمدا بشر يغضب كما يغضب البشر و اني قد أخذت عندك عهدا لن تخلفنيه فأيما مؤمن سببته او جلدته فاجعل ذلك كفارة له يوم القيامة ثم قال إن عبدا خيره الله أن يؤتيه من زهرة الدنيا ماشاء و بين ما عنده فاختار ما عند الله ) فبكى أبو بكر و قال فديناك بآبائنا و أمهاتنا تعجب الناس من قوله اذ لم يفهموا ان النبي يقصد نفسه فقال عليه السلام ( إن آمن الناس على في صحبته و ماله أبو بكر ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام و مودته،لا يبقين في المسجد باب إلا سد، إلا باب أبي بكر). بهذا القول وغيره في مناسبات أخرى متقاربة أظهر عليه السلام فضل أبي بكر يهيأه بذلك لخلافته .

و النبي صلى الله عليه و سلم مع شدة المرض كان يصلي بالناس حتى يوم الخميس قبل الوفاة بأربعة أيام اذ صلى بالناس المغرب وعند العشاء زاد ثقل المرض فلم يستطع الخروج إلى المسجد روت عائشة أنه عليه السلام سأل( أصلى الناس ؟؟) قلنا لا يارسول الله ،وهم ينتظرونك قال ( ضعوا لى ماء في المخضب ). ففعلنا، فاغتسل فذهب ليقوم فأغمى عليه،ثم أفاق فقال ( أصلى الناس ) ووقع كما في المرة الأولى من الاغتسال ثم الإغماء فأرسل إلى أبي بكر أن يصلي بالناس ، فصلى أبو بكر تلك الأيام 17 صلاة في حياته عليه السلام وراجعته عائشة مرات,ليصرف الإمامة عن أبي بكر حتى لايتشائم به الناس فأبى

و يوم السبت وجد النبي صلى الله عليه و سلم في نفسه خفة فخرج بين رجلين لصلاة الظهر و أبو بكر يؤم الناس فلما راه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومأ إليه أن لا يتأخر و قال ( أجلساني إلى جنبه ) فأجلساه إلى يساره فكان أبو بكر يقتدي بصلاة الرسول عليه السلام ويسمع الناس التكبير ثم ازداد الوجع به صلى الله عليه وسلم حتى انه لا يقدر على الكلام احيانا روي عن أسامة بن زيد قال لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم هبطت و هبط الناس معي الى المدينة فدخلت عليه و قد أصمت فلا يتكلم فجعل يرفع يده الى السماء ثم يضعها علي فأعرف انه يدعو لي و يوم الأحد أعتق النبي صلى الله عليه و سلم غلمانه و تصدق بسبعة دنانير كانت عنده، ووهب للمسلمين أسلحته و في الليل استعارت عائشة الزيت للمصباح من جارتها و كانت درعه عليه السلام مرهونة في نفقة أهله

( ثم كان يوم الاثنين ) فبينما المسلمين في صلاة الفجر لم يفجأهم إلا رسول الله صلى الله عليه و سلم كشف ستر حجرة عائشة فنظر إليهم، و هم في صفوف الصلاة ثم تبسم ضاحكا فأراد أبو بكر التأخر لظن أنه عليه السلام يريد أن يخرج إلى الصلاة و هم المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحا به فأشار النبي إليهم بيده أن أتموا صلاتكم ثم دخل الحجرة و أرخى الستر.كان تفكيره صلى الله عليه وسلم في ذلك الموقف منصرفا الى أمته و الى ما سيكون عليه حالهم من بعده تبسم ضاحكا و هو يراهم واقفين بخشوع بين يدي الله تعالى انه في آخر سويعات عمره الشريف يتزود من أصاحبه رضوان الله عليهم بآخر نظرة و يطمئن الى الحق الذي تركهم عليه و الهداية التي أرشدهم اليها غلب ذلك المشهد آلام الموت السارية في جسده الشريف فعلا وجهه البشر و الرضا حتى خيل للصحابة انه صلى الله عليه وسلم قد نشط من أوجاعه و قالوا أصبح رسول الله بفضل الله بارئا و لم يدركوا ان مشهدهم ذاك هو آخر صورة لهم تسجل في ذهنه صلى الله عليه و سلم اذ لم يأت عليه وقت صلاة أخرى ابو بكر كذلك ظن ان النبي عليه السلام قد شفي من عته فاستأذنه في الخروج الى أهله بالسنح فأذن له لكن لم يطل بالرسول عليه السلام الأمر حتى عاودته الحمى و اشتد به الوجع و دعا فاطمة ازداد دعا فاطمة فأنبأها انه سيموت في وجعه ذاك و انها أول من يلحق به من أهله و دعا الحسن والحسين فشمهما و قبلهما و أوصى بهما و دعا أزواجه فوعضهن و لم يمنعه وجعه الشديد و المتزايد من التفكير في أمته فكانت آخر وصاياه **الصلاة الصلاة و ما ملكت أيمانكم و لا يترك بجزيرة العرب دينان** و قد كرر هذه الوصية مرارا و رأت فاطمة ما بأبيها من الكرب الشديد فقالت واكرباه  ( فقال لها ليس على أبيك كرب بعد اليوم ) و بدأ الاحتضار فأسندته عائشة إليها و دخل عبد الرحمان بن أبي بكر و بيده سواك قالت فرأيته ينظر اليه فقلت اخذه لك فأشار برأسه نعم فتناوله فاشتد عليه و قلت ألينه لك فأشار برأسه نعم فلينته فاستن به كأحسن ما كان مستنا و بين يده ركوة فيها ماء فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بها وجهه ، يقول :( لا إله إلا الله إن للموت لسكرات ) و ما ان فرغ من السواك حتى رفع إصبعه و شخص بصره نحو السقف و تحركت شفتاه سمعته عائشة و هو يقول: ( مع الذين أنعمت عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين ، اللهم اغفر لي و ارحمني، و ألحقني بالرفيق الأعلى اللهم الرفيق الأعلى.)

كرر الكلمة الأخيرة ومالت يده و لحق بالرفيق الأعلى إنا الله إنا إليه راجعون.توفي صلى الله عليه و سلم يوم الاثنين 12 ربيع الأول سنة 11 هـ حين اشدت الضحى و قد تم له صلى الله عليه و سلم ثلاث و ستون سنة قمرية قال أحد صحابته :

لقد عظمت مصيبتنا وجلت**عشية قيل قد قبض الرسول

فقدنا الوحي و التنزيل فينا**يروح و يغدو به جبرائيل

نبي كان يجلو الشك عنا **بما يوحى إليه و ما يقول

أفاطم أن جزعت فذاك عذر**وإن لم تجزعي فهو السبيل

فقبر أبيك سيد كل قبر** و فيه سيد الناس الرسول

اللهم اجعل صلواتك وبركاتك على سيد المرسلين و خاتم النبيين محمد عبدك و رسولك و ابعثه اللهم مقاما محمودا يغبطه فيه الأولون و الآخرون انك حميد مجيد

هذا واستغفر الله العظيم لي و لكم و لوالدي و والديكم انه هو الغفور الرحيم . و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم

***************************

الحمد لله خالق كل شيئ و رازق كل حي أحاط بكل شيء علما و كل شيء عنده بأجل مسمى واشهد ان لا الاه الا الله وحده لا شريك له وهو الاه المعبود و بكل لسان محمود و أشهد ان محمدا عبده و رسوله صاحب الحوض المورود صلى الله و سلم و بارك عليه و على آله و أصحابه الركع السجود و التابعين لهم باحسان الى اليوم الموعود

عباد الله تسرب النبأ الفادح قال أنس: ما رأيت يوما قط كان أحسن و لا أضوأ من يوم دخل علينا فيه رسول الله ، و ما رأيت يوما كان أقبح و لا أظلم من يوم مات فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم. كان عمر أعقل الناس و مع ذلك أخرجه الخبر عن وعيه فكيف تراه حال بقية المسلمين وقف عمر يقول إن رجالا منن المنافقين يزعمون ان رسول الله توفى ، و إن رسول الله ما مات ، لكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فغاب عن قومه أربعين ليلة ، ثم رجع إليهم بعد أن قيل مات.و والله ليرحعن رسول الله ، فليقطعن أيدي رجال و أرجلهم يزعمون أنه مات.

و أقبل أبو بكر من السنح فدخل المسجد ولم يكلم الناس ، حتى دخل على عائشة فتيمم رسول الله، و هو مغشى بثوب فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه فقبله و بكى ثم قال:بأبي أنت و أمي، لا يجمع الله عليك موتتين ، أما الموتة التي كتبت عليك فقدمتها.

ثم خرج على الناس و عمر يكلمهم فأقبل الناس إليه وتركوا عمر فقال أبو بكر: أما بعد من كان يعبد محمدا صلى الله عليه و سلم فإن محمدا قد مات ،و من كان يعبد الله فإن الله حي لايموت. قال الله تعالى ( و ما محمد إلا رسول، قد خلت من قبله الرسل ، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا، و سيجزي الله الشاكرين ) قال ابن عباس: و الله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الاية حتى تلاها أبو بكر ، فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشرامن الناس إلا يتلوها.

قال ابن المسيب: قال عمر: و الله ماهو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعفرت حتى ماتقلني رجلاي ، و  حيى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أن النبي قد مات.

ووقع الخلاف في أمر الخلافة قبل أن يقوموا بتجهيزه صلى الله عليه و سلم ، فجرت مناقشات و مجادلات و حوار وردود بين المهاجرين و الأنصار في سقيفة بني ساعدة ، و أخيرا اتفقوا على خلافة أبي بكر رضي الله عنه فبايعه من في السقيفة ثم تحولوا الى المسجد ليبايعه عامة الصحابة فمضى في ذلك بقية يوم الإثنين حتى دخل الليل و يوم الثلاثاء غسلوا رسول الله من غير أن يجردوه من ثيابه قالوا والله ما ندري أنجرد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثيابه كما نجرد موتانا أو نغسله و عليه ثيابه فلما اختلفوا لقى الله عليهم النوم حتى ما منهم رجل الا ذقنه في صدره ثم كلمهم مكلم ان ان اغسلوا النبي و عليه ثيابه وكان القائمون بالغسل عمه العباس و ابناه ….

الفضل و قثم يقلبانه و شقران مولاه و أسامة بن زيد يصبان الماء و علي أسنده الى صدره يغسله وهو يقول ما أطيبك حيا و ميتا و حضر من الأنصار أوس بن خولى و اختلفوا في موضع دفنه، فقال أبو بكر: إني سمعت رسول الله يقول: ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض فرفع فراشه الذي توفى عليه، ليحفر تحته واختلفوا في كفية الحفر فأرسلوا الى ابي عبيدة و كان يضرح كحفر أهل مكة و الى أبي طلحة و كان يلحد لأهل المدينة فسبق ابو طلحة فجعل القبر لحدا. و دخل الناس الحجرة أرسالا عشرة فعشرة ، يصلون على رسول الله و لا يؤمهم أحد ، و صلى عليه أولا أهله عشيرته ثم المهاجرون ثم الأنصار وصلت عليه النساء بعد الرجال ثم صلى عليه الصبيان.و مضى في ذلك يوم الثلاثاء كاملا، حتى دخلت ليلة الأربعاء، قالت عائشة: ما علمنا بدفن رسول الله حتى سمعنا صوت المساحي من جوف الليل من ليلة الأربعاء.

هذا و صلوا على الرحمة المهداة و النعمة المسداة محمد بن عبدالله اللهم صلي و سلم عليه ما تلاحمت الغيوم و تعاقبت النجوم و ارض اللهم عن الخلفاء الراشدين و الصحابة و التابعين و من تبعهم باحسان الى يوم الدين .

اللهم تقبل صالح ما قدمناه من عمل و تجاوز عما يشوبه من نقص و غفلة و زلل و ثبتنا على كلمة التوحيد عند حضور الأجل….

اللهم خذ بنواصينا الى ما تحب و ترضى و زينا برحمتك بالبر و التقوى واجعلنا من عبادك المهتدين

اللهم اكرمنا و لا تهنا و اعطنا ولا تحرمنا و زدنا ولا تنقصنا و اجعل عواقب امورنا الى خيرو قنا عذاب النار ياارحم الراحمين….

اللهم يا ناصر المستضعفين و قاصم الجبارين اكلأ بعين رعايتك اخواننا الفلسطينيين اللهم وسع عليهم و ارزقهم و انصرهم و اكبت عدوهم يا ارحم الراحمين

اللهم اعز الاسلام و المسلمين و اذل الشرك و المشركين و اجعل هذا البلد آمنا مطمئنا و سائر بلاد المسلمين

ان الله يامر بالعدل و الاحسان و ايتاء ذي القربى و ينهى عن الفحشاء و المنكر و البغي يعظكم لعلكم تذكرون اذكروا الله يذكركم و اشكروه على نعمه يزدكم فمن جعل الحمد خاتمة النعمة جعل الله حمده فاتحة المزيد .

في رحاب قصة قابيل وهابيل ( للأستاذ هارون قريسة )

الحمد لله ارسل رسوله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله و كفى بالله شهيدا أحمده و اشكره و استغفره و اتوب اليه و كفى به وليا حميدا و اشهد ان لا الاه الا الله وحده لا شريك له تعضيما لشأنه و تمجيدا و اشهد ان نبينا محمد عبدالله و رسوله نبي شرح الله صدره و رفع ذكره و وضع وزره و اعلى في العالمين قدره صلى الله و سلم و بارك عليه و على آله و صحبه و من دعا بدعوته الى يوم الدين .

عباد الله نتعرض اليوم باذن الله لدروس من قصة ابني آدم

هي قصة وقعت للبشرية في بدايتها قصة تبين أهمية المحافظة على الحياة و بشاعة الجريمة و ضرورة الوقوف في وجهها و مقاومة البواعث النفسية الدافعة اليها قصة بطلاها رجلان أحدهما يمثل الشر و العدوان الذي لا مبرر له و الثاني يمثل الخير و السماحة و الطيبة كل منهما يتصرف وفق طبيعته وهو ما يثير الحاجة الى تشريع القصاص حماية للخير و الطيبة من الشر و العدوان …لهذه القصة جذور وقعت في السماء يوم حسد ابليس آدم ثم عصى ثم استكبر فقال انا خير منه و حتى بعد لعنه و أمره بالخروج من الجنة واصل تجرأه على الله تعالى ( قال أريأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتني الى يوم القيامة لأحتنكن ذريته الا قليلا ) ابليس مد العداوة من آدم الى ذريته قال لأحتنكن ذريته و الاحتناك هو وضع الراكب اللجام في حنك الفرس ليسيره فهو هنا تمثيل لجلب ذرية آدم الى مراده من الافساد و الاغواء …يبدأ سبحانه هذه القصة بقوله ( و اتل عليهم نبأ ابني آدم) أمر صلى الله عليه و سلم أن يتلو على الناس نبأ ابني آدم و النبأ هو الخبر اللافت للنظر الشديد الأهمية فهو ليس حكاية بل قصة حقيقية قال سبحانه( نبأابني آدم بالحق ) أي أن ذلك نزل من الحق فلا تغيير فيه و لا تبديل و ما أنزل من عند الله لا يلتبس بغيره من الكلام فالله جل في علاه هو الذي يحكي هذه القصة فكانت لذلك نموذجا رائعا للقصص الصادق و المفيد القصة جاءت مجملة اجمالا يؤدي الغرض من عرضها و المفسرون وجدوا بعض التفاصيل في التوراة ورسول الله صلى الله عليه و سلم أوصى بأن لا نصدق بني اسرائيل و لا نكذبهم هم حرفوا في كتبهم و غيروا و لكن أكثر تحريفهم كان في مسائل يهمهم تغييرها كمسألة نبوة محمد عليه السلام أما بداية الخلق لا يهمهم التغيير فيها بنفس الدرجة لذلك قد لا يكون تحريفهم فيها كبيرا فلا بأس اذا من عرض تلك التفاصيل مع بعض الحذر تقول التفاسير أن آدم عليه السلام كان يولد له في كل بطن توأم من ذكر و أنثى فكان يزوج ذكر كل بطن بأنثى البطن الآخر و أن هابيل أراد أن يتزوج بأخت قابيل و قابيل أكبر من هابيل و أخته أحسن فأراد أن يستأثر بها على أخيه ويظهر  هنا طمعه و أنانيته التي دفعته الى التمرد وعدم طاعة والده النبي الذي يريد التباعد ما أمكن في الزواج أمره آدم أن يزوج أخته التوأم لأخيه هابيل فلما أبى فأمرهما أن يقربا قربانا قال تعالى ( اذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما و لم يتقبل من الآخر) كان قابيل صاحب زرع فقرب قربانا من أردا زرعه و في رواية أنه قرب حزمة سنبل فوجد فيها سنبلة عظيمة ففركها و أكلها و أضمر في نفسه ما أبالي أيقبل مني أم لا لن يتزوج هابيل أختي أبدا صفتان خبيثتان أخريان تظهران في نفس قابيل هما العند اذ أضمر عدم الامتثال لأمر ربه والبخل وهو نقيصة حثنا الله تعالى على أن نقي أنفسنا منه اذ قال ( و من يوق شح نفسه فأولائك هم المفلحون ) و قال عليه السلام صفتان لا تجتمعان في مؤمن البخل وسوء الخلق أما هابيل فكان راعيا صاحب ماشية فقرب كبشا سمينا من خيار ماشيته و أضمر في نفسه الرضا و التسليم لما يرضي ربه سبحانه نحن في الاسلام لا نقدم قرابين نحن نتقرب الى الله بالصالحات من الأعمال نقوم بالعمل ولا نعلم ان قبل منا أولا نعرف ذلك في الآخرة فكيف عرف قابيل و هابيل ان كان الله تقبل منهما أم لا قد يكون ذلك بالوحي لآدم و قد يكون بالطريقة التي روتها التفاسير وهي أن القرابين كانت اذا قبلت نزلت نار من السماء فأكلتها و اذا لم تقبل لم تنزل نار لأكلها و هذه الطريقة تؤيدها آية في سورة آل عمران اذ قال سبحانه( الذين قالوا ان الله عهد الينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات و بالذي قلتم فلم قتلتموهم ان كنتم صادقين ) الله سبحانه لم يتقبل قربان قابيل فكان المفروض أن يرجع الى نفسه ينظر في مساويه يحاول اصلاحها لم بفعل شيئا من ذلك بل غضب و كانت أولى ردود أفعاله سوء الظن و الظن أكذب الحديث و الظنون السيئة تنشأ عنها الغيرة و المكائد وقد سبحنه ( يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ان بعض الظن اثم ) فبسبب ظن كاذب قد يعامل الانسان أحب الناس اليه بما لا يستحقه وهذا ما فعله قابيل مع ابيه ففي رواية لابن كثير أن آدم كان حاضرا عند تقديم القرابين فلما رد قربان قابيل أساء الظن بأبيه و قال له أنت أحببته فصليت على قربانه و دعوت له فتقبل منه ثم ظهر ما كان يخفيه في نفسه من الحسد لأخيه فقال له لأقتلنك قابيل احتنكه ابليس تمكن منه وضع له اللجام و بذر في قلبه الحسد و قديما قيل كل ذي نعمة محسود و الحسد مرض موكل بالأقران والاخوة و الأقارب فالانسان لا يحسد من لا يعرفه و لا تربطه به علاقة و لا يرضى الحاسد الا بزوال النعمة على المحسود ….

كل العداوات قد ترجى اماتتها *** الا عداوة من عاداك من حسد

و الحسد جرح لا يبرأ قال أعرابي ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من حاسد انه يرى النعمة عليك نقمة عليه و للحاسد الذل في المجالس و اللعنة من الملائكة و الشدة عند النزع و الفضيحة يوم القيامة لقابيل اذا نفس مريضة بأمراض عديدة مهلكة و للعلم أمراض البدن لا تورد صاحبها النار فقط أمراض النفس تفعل ذلك في نفس قابيل طمع و عند و بخل وغضب و حسد أمراض اذا اجتمعت في عبد جعلته من أصحاب النار و العياذ بالله فتفقدوا نفوسك عباد الله و نقوها من هذه الخبائث أمام تهديد قابيل لأخيه كان رد هابيل في براءة وايمان و توجيه للمعتدي لعله يعود الى ربه (قال انما يتقبل الله من المتقين ) هو لا يريد استفزاز أخيه رده كان طبيعيا و منطقيا كأنه يقول ما دخلي أنا قدمت قربانا لربك لم يتقبله منك لأنك لست من المتقين و أنت تعرف ذلك راجع نفسك حاسبها أصلحها حتى يرضى الله عنك عرفت الداء فعليك بالدواء و يواصل هابيل محاورة أخيه انتبهوا الله سبحانه ينقل الينا كلمات القتيل الشهيد و يتجاهل تماما كلمات القاتل الذي قد يكون رفع يديه مهددا فقال له في هدوء ( لئن بسطت الي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي اليك لأقتلك اني أخاف الله رب العالمين ) الوداعة و السلام و التقوى في أشد المواقف هدوء و اطمئنان أمام نذر الاعتداء هو ليس سلبيا ليس جبانا و ليس ضعيفا بامكانه مواجهة القوة بأقوى منها لكن يمنعه خوفه من الله سبحانه الحاضر بقوة في قلبه الشرائع السماوية تبيح للمعتدى عليه أن يدافع عن نفسه لكن في حالتين على الانسان ان يختار أن يكون سلبيا في الخلافات العائلية حفاضا على الرحم و في الفتن حفاضا على وحدة المسلمين وقد روي عن سعد بن أبي وقاص أن النبي عليه السلام قال انها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم و القائم خير من الماشي و الماشي خير من الساعي قال أفرأيت ان دخل علي بيتي فبسط يده ليقتلني فقال كن كخير ابني آدم يبدو أن قابيل واصل تهديده لذلك أضاف هابيل الى الموعظة تحذيرا اني أريد( ان تبوء باثمي و اثمك فتكون من أصحاب النار و ذلك جزاء الظالمين) أي اني تاركك تحمل اثم قتلي فيظاف الى اثمك الذي جعل الله لا يقبل قربانك فيكون اثمك مضاعفا و عذابك مضاعفا و ذلك جزاء الظالمين تحذير فيه تذكير بفظاعة جرم القتل هو لا يريد استفزازه بل يريد تنبيهه الى العواقب لعله يرتدع :

( فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين )

و النفس امارة بالسوء قال تعالى على لسان امراة العزيز ( و ما ابرئ نفسي ان النفس لامارة بالسوء الا ما رحم ربي ) فهي تسول للانسان فعل الشر قال يعقوب لبنيه ( بل سولت لكم انفسكم امرا فصبر جميل ) فالنفس ليست سهلة القيادة تحتاج الى مجاهدة و محاسبة و لجم و فطم عند اللزوم قال البصيري :

من لي برد جماح من غوايتها ** كما يرد جماح الخيل باللجم

والنفس كالطفل ان تهمله شب على حب الرضاع وان تفطمه ينفطم ..فالنفس ان لم تجاهد و تحاسب طوعت للانسان ارتكاب المعصية تسهلها له تزيل من أمامه كل العقبات تطوع كأنها تطوع الحديد حتى انها تجعل قتل الأخ أمرا ممكنا و سهلا ..اللهم آت نفوسنا تقواها و زكها انت خير من زكاها…

اقول قولي هذا و استغفر الله العظيم لي و لكم و لوالدي و والديكم انه هو الغفور الرحيم

**************************

الحمد لله معز من اطاعه و اتقاه و مذل من خالف امره و عصاه و اشهد الا الاه الا الله وحده لا شريك له و اشهد ان سيدنا و نبينا محمد عبدالله و رسوله اكمل الله به الدين و اتم به النعمة و سد كل طريق الى الجنة الا من طريقه فصلي اللهم و سلم عليه و على آله و صحبه أجمعين

عباد الله قال سبحانه (فطوعت له نفسه قتل أخيه ) نفسه المريضة التي أعماها الحسد طوعت له أن يقدم على جريمة قتل و ذلك عظيم عند الله و لكن الأعظم قتل من قتل أخيه الذي كان من واجبه الرحمة به و الرفق جمع قابيل بين مهلكتين القتل و قطع الرحم و قطع الرحم من أكبر الكبائر عند الله تعالى قال سبحانه ( واتقوا الله الذي تساءلون به و الأرحام ) أي واتقوا الأرحام أن تقطعوها و رو ى نبينا صلى الله عليه و سلم عن ربه انه قال أنا الله و أنا الرحمان خلقت الرحم و شققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته و من قطعها قطعته و روى البخاري و مسلم عن ابي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم انه قال ان الله تعالى خلق الخلق حتى اذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال نعم أما ترضين أن أصل من وصلك و أقطع من قطعك قالت بلى قال فذلك لك كما أخرج الشيخان أنه عليه السلام قال لا يدخل الجنة قاطع رحم فاتقوا الله عباد الله و صلوا أرحامكم قال سبحانه ( فقتله فأصبح من الخاسرين ) خسر الآخرة فالقاتل يبعث مكتوب على جبينه آيس من رحمة الله كل قاتل أما قابيل فله يوم القيامة أكثر من ذلك بكثير روى أحمد أنه صلى الله عليه و سلم قال لا تقتل نفس ظلما الا كان على ابن آدم الأول منها كفل من دمها لأنه أول من سن القتل أما في الدنيه فقابيل خسر أخاه و فارق أباه و ساءت حاله و خاب رجاؤه كان أخاه أول ميت للبشرية بقي ينظر اليه و يحمله من مكان الى مكان حتى فسدت الجثة و بانت رائحتها و اصبحت تسوؤه رؤيتها صارت سوءة لا يعرف كيف يخفيها تصوروا أن الناس لا يدفنون موتاهم ألهم الله سبحانه غرابا أن ينزل بحيث يراه قابيل و يقال أن الغربان تحفر في الأرض لاخفاء صيدها و قيل أن الدفن عندها عادة ( فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين ) يقول الشيخ الطاهر رحمه الله هذا أول مشهد حضارة في البشر بدأ الانسان يستر المشاهد المكروهة بدأ يتعلم بالتقليد و بالتجربة بدأ كذلك يتلقى معارفه من عوالم أضعف منه قابيل أصبح من النادمين لكنه ليس ندم توبة اذ لو ندم ندم توبة لقبل الله منه فلعله نظر فقط الى خسائره الدنيوية أورد الله سبحانه هذه القصة لبيان أن القتل جرم فضيع و أن من قتل نفسا كمن قتل الناس جميعا يهيئ لتشريع القصاص الذي هو شرع سالف و مراد لله قديم و الذين يدعون الى ابطال القصاص في العالم بتعلة حقوق الانسان ينظرون الى حق مزعوم للقاتل فهلا نظروا الى حق المقتول و عائلته و أهله فالقصاص ما وضع الا حفاظا على الحياة لا اهدارا لها لذلك و غيره عقب سبحانه على قصة ابني آدم بقوله ( من اجل ذلك كتبنا على بني اسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا و من أحياها فكنما أحيا الناس جميعا و لقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم ان كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون ) فأي تكريم لنفس الانسان أعظم من هذا و لا يزال ابناء آدم يقتل بعضهم بعضا و يعذب بعضهم بعضا بغير ذنب و لا جريرة و لا يهتمون بموقفهم أمام الله تعالى يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار

هذا و صلوا على الرحمة المهداة و النعمة المسداة محمد بن عبدالله اللهم صلي و سلم عليه ما تلاحمت الغيوم و تعاقبت النجوم و ارض اللهم عن الخلفاء الراشدين و الصحابة و التابعين و من تبعهم باحسان الى يوم الدين .

اللهم اجعلنا ممن تواضع لك فرفعته و اقبل تائبا فقبلته و تقرب لك فقربته و ذل لهيبتك فاحببته و دعا صادقا فاجبته و سالك فاعطيته و سترت ذنبه و غفرته و في هذه الجمعة برحمتك شملته

اللهم خذ بنواصينا الى ما تحب و ترضى و زينا برحمتك بالبر و التقوى واجعلنا من عبادك المهتدين

اللهم وفقنا للتوبة النصوح التي تمحو بها ما سلف من ذنوبنا و تيسر بها أمورنا و ترفع بها درجاتنا انك جواد كريم

اللهم اعصمنا من شر الفتن و عافنا من جميع البلايا و المحن و أصلح منا ماظهر و ما بطن

اللهم انبت لنا الزرع و ادر لنا الضرع و اسقنا من ماء السماء و اكشف لنا من البلاء

اللهم انصر اخواننا الفلسطينيين اللهم وسع عليهم و ارزقهم و اكبت عدوهم يا ارحم الراحمين

اللهم اعز الاسلام و المسلمين و اذل الشرك و المشركين و اجعل هذا البلد آمنا مطمئنا و سائر بلاد المسلمين

ان الله يامر بالعدل و الاحسان و ايتاء ذي القربى و ينهى عن الفحشاء و المنكر و البغي يعظكم لعلكم تذكرون اذكروا الله يذكركم و اشكروه على نعمه يزدكم فمن جعل الحمد خاتمة النعمة جعل الله حمده فاتحة المزيد .

في ضيافة أبي أيوب ( للأستاذ هارون قريسة )

الحمد لله المستحق للحمد على جميع الأحوال الحكم الفرد الكبير المتعال اليه المرجع و المآل .

أحمده أن بين لنا سبيل السلامة و الهدى و وعظنا فجنبنا مهاوي الضلالة و الردى و وعد الطائعين نعيما أبديا سرمدا .

و أشكره سبحانه يسر سبيل الطاعة لمن أراد و جعل حب ذاته قوة الحياة و ركن الاعتماد و ذخرا يفرح به المؤمنون يوم التناد .

و أشهد أن لا الاه الا الله وحده لا شريك له شهادة من تفتح قلبه لبالغ العظات و اتبع رضوان ربه في الجهر و الخلوات و قمع ما تأمر به النفس من الشهوات و السيئات اللهم ثبتنا على كلمة التوحيد عند النزع و يوم تكون عليك يا رب الوفادة و اكتب لنا بها الحسنى و زيادة و اجعلنا من الذين تقبل منهم خالص العبادة .

و أشهد أن سيدنا محمدا عبدك و رسولك نبي وقف حياته على التذكير و دعا البشر الى اعمال النظر في الحاضر و المصير اللهم صل و سلم و بارك على سيدنا محمد البشير النذير صلاة و سلاما دائمين الى يوم الفزع الأكبر و اجمعنا به و بصحبه على الكوثر يوم يشتد الهول بأهل المحشر .

عباد الله سنتعرض اليوم ان شاء الله الى قصة قصيرة تبين حال النبي صلى الله عليه و سلم مع أصحابه نرى فيها تواضعه و سهولة تعامله معهم و نستخلص منها جملة من الآداب المتفرقة

القصة رواها مسلم و الترمذي و النسائي و الحاكم في المستدرك و صححها الامام الألباني عن أبي هريرة رضي الله عنه قال خرج النبي صلى الله عليه و سلم عند الظهيرة فاذا أبو بكر وعمر في المسجد فقال ما أجلسكما ههنا قالا و الذي بعثك بالحق ما أخرجنا من بيوتنا الا الجوع قال وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما هكذا يتضح ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الزهد في الدنيا هو و وزيراه ابوبكر و عمر أعظم الناس ما في بيوتهم شيء يأكلونه رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكم دولة في ذلك الوقت و لكن مع ذلك تقول عائشة في الحديث المتفق عليه انا كنا لننظر الى الهلال ثم الهلال ثم الهلال ثلاثة أهلة في شهرين و ما أوقد في بيوت النبي صلى الله عليه و سلم نار لم يكن عند نسائه شيء يطبخ فقط تمر و ماء و خبز شعير كانت الدنيا صغيرة في عينيه دخل عليه عمر لما اعتزل نساءه فاذا به نائم على حصير فلما جلس رأى عمر أثر الحصير في جنبه فقال أما أنا فأشهد أنك رسول الله و لأنت أكرم على الله من قيصر و كسرى و هما فيما هما فيه من الدنيا و أنت على الحصير قد أثر في جنبك فقال صلى الله عليه و سلم أما ترضى أن تكون لهم الدنيا و لنا الآخرة و الزهد مقام شريف من مقامات السالكين طريق الله وكل من باع الدنيا بالآخرة فهو زاهد وقد جعل الله الزهد سببا لمحبته العبد اذ قال عليه السلام ازهد في الدنيا يحبك الله خرج أفضل خلق الله و صاحباه من بيوتهم لم يخرجهم الا الجوع قال لصاحبيه قوموا معي فانطلقواالى منزل أبي الهيثم بن التيهان الأنصاري صحابي جليل كان في الجاهلية يكره الأصنام و يقول بالتوحيد شهد العقبة الأولى و الثانية كما شهد مع الرسول عليه السلام بدرا و أحد و المشاهد كلها و كان كثير النخيل و الشاء . و في رواية عمر قال تقدم رسول الله صلى الله عليه و سلم فسلم واستأذن ثلاث مرات و أم الهيثم من وراء الباب تسمع الكلام تريد ان يزيدها الرسول من السلام فلما أراد أن ينصرف خرجت أم الهيثم تسعى خلفهم تقول يا رسول الله قد والله سمعت تسليمك و لكن أردت أن تزيدني من سلامك فقال لها عليه السلام خيرا ثم قال أين صاحبك قالت هو قريب ذهب يستعذب لنا ماءا ادخلوا فانه يأتي الساعة ان شاء الله و بسطت لهم بساطا تحت شجرة . المرأة يجوز لها أن تدخل الى بيت زوجها من كانت تعلم يقينا أن زوجها لا يمانع في دخوله أما اذا كان زوجها منعها من ادخال فلان من الناس فلا يجوز لها أن تدخله لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا تأذن في بيته الا باذنه لا جار و لا قريب و لا بعيد و في حالتنا هذه المرأة لم تدخل بيت زوجها رجلا حتى وان كان صالحا وانما أدخلت بيت زوجها جماعة صالحة بل في قمة الصلاح النبي و أبوبكر وعمر وهي تعلم يقينا أن زوجها راض بدخولهم بيته بل سيكون في غاية السعادة بذلك .ولم يلبثوا أن جاء أبو الهيثم بقربة يتدافع بها لثقلها فلما رأى النبي صلى الله عليه و سلم و صاحبيه هش له غاية الهشاشة و جاء يفديه بأبيه و أمه و عانقه وهو يقول ما زار العباد شيء أفضل من نبي زارني اليوم أنا أكرم الناس أضيافا . بعض الأغنياء يستخدمون غناهم في طاعة الله باكرام أهل العلم و الصالحين و أبو الهيثم بن الهيتان منهم و الكرم خلق حث عليه الاسلام دخل عدي بن حاتم الطائي على النبي صلى الله عليه وسلم فأكرمه حتى قال له أصحابه في ذلك فقال هذا كريم قوم فاذا أتاكم كريم قوم فأكرموه و من الكرم اكرام الضيف فقد جاء في الأثر من لم يكرم ضيفه فليس من محمد و لا من ابراهيم صلى الله عليهما و سلم و الله جل في علاه يغفر لمن أكرم زائريه أخرج الحاكم عن سلمان الفارسي قال دخلت على رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو متكئ على وسادة فألقاها الي و قال يا سلمان ما من مسلم يدخل على أخيه المسلم فيلقي له وسادة اكراما له الا غفر الله له و من الاسلام كذلك انزال الناس منازلهم مر على عائشة رضي الله عنها وهي في سفررجل ذو هيبة وهي تأكل فدعته فقعد معها و مر سائل فأمرت له بكسرة فقيل لها في ذلك فقالت أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم كما أوجب الاسلام على المؤمنين بصفة خاصة اكرام العلماء و الكبراء روي أن زيد بن ثابت رضي الله عنه ركب يوما فأخذ ابن عباس بركابه فقال زيد تنحى يابن عم رسول الله فقال ابن عباس هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا و كبرائنا فقال زيد أرني يدك فأخرج يده فقبلها و قال هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا اكرام الضيف اذن فضيلة كبرى فكيف بأبي الهيثم و ضيفه سيد الخلق صلى الله عليه وسلم أخذ ضيوفه الكرام الى حديقته فبسط لهم البساط و من الأدب استحباب المبادرة الى اكرام الضيف بما يتيسر ريثما ينضج الطعام انطلق ابو الهيثم الى نخلة و سرعان ما عاد و في يده عرجون كبير فيه بسر و تمر و رطب و وضعه بين أيديهم فقال عليه الصلاة و السلام أفلا تنقيت لنا من رطبه فقال يا رسول الله اني أردت أن تخيروا من رطبه و بسره و بعد أن أكلوا و شربوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة ظل بارد و رطب طيب و ماء بارد. الرسول عله السلام يعظ أصحابه و يعلمهم يذكرهم هنا بقوله تعالى (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم) لتسألن عنه من أين نلتموه و فيما أنفقتموه أمن حلال و في حلال أم من حرام و في حرام هل شكرتم هل تصدقتم أم استأثرتم لتسألن عن كل نعيم الأمن و الرزق و كل لذة من لذات الدنيا و عن صحة الأبدان و الأسماع و الأبصار فيما استعملتموها قال سبحانه (ان السمع و البصر و الفؤاد كل ذلك كان عنه مسؤولا ) و عند بعض السلف لا يسأل عن النعيم الا أهل النار و يقول القشيري رحمه الله الكل يسألون و لكن سؤال الكافر سؤال توبيخ لأنه قد ترك الشكر و سؤال المؤمن سؤال تشريف لأنه شكر . ثم ان أبا الهيثم أخذ شفرته و اتجه نحو القطيع فقال له النبي صلى الله عليه و سلم لا تذبحن ذات در أي دع الحلوب لأنك تستفيد منها فعلى الضيف الا يشق على مضيفه و أفضل الجود ما كان من الموجود فذبح لهم جديا . أبو الهيثم أكرم ضيوفه و الاسلام يحث على مكافأة المعروف لذلك سأله النبي عليه السلام هل لك خادم قال لا قال فاذا أتانا سبي فاتنا فأتي عليه السلام بعبدين فأتاه أبو الهيثم فقال له الرسول عليه السلام اختر منهما فقال يا نبي الله اختر لي فقال النبي صلى الله عليه و سلم ان المستشار مؤتمن نشهد أنه رسول الله و أن الله قد آتاه جوامع الكلم المستشار مؤتمن من حق المسلم على المسلم اذا نصحه أن يجتهد في النصح له و اذا استشاره أن يشير عليه بما يعتقد صحته و لا يكتمه شيئا و قد حث عليه السلام على الاستشارة بقوله لا خاب من استخار و لا ندم من استشار فعلى المسلم ان لا يغتر برأيه و يستشير ذو الدين و الرأي و الأمانة قال عمر رضي الله عنه شاور في أمرك من يخاف الله عز و جل و بما أن المستشار مؤتمن عليه أن يشير بما هو صانع لنفسه و لا يلتمس موافقة المستشير فذلك لؤم و ان لم يأنس في نفسه الكفاءة عليه أن يعتذر و يوجه صاحبه الى غيره تقدم الحسن بن علي و ابن عمه عبدالله بن جعفر رضي الله عنهما الى المسيب بن نجية لخطبة ابنته فأتى عليا فاستشاره فقال الحسن مطلاق زوج ابن جعفر فلامه الحسن فقال أشار علي أبوك فأتاه فقال وضعت مني فقال علي سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول المستشار مؤتمن .

اختارالرسول عليه السلام لأبي الهيثم أشار الى أحد العبدين و قال خذ هذا فاني رأيته يصلي و استوص به معروفا بعض الناس يعرض عليهم عامل أو سائق أو موظف يصلي و آخر لا يصلي فليختر الذي يصلي قد يكون المصلي خائنا أو غير كفء و قد يكون الذي لا يصلي صاحب أمانة و لكن الغالب أن المصلي أكثر أمانة لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر قال تعالى ان خير من استأجرت القوي الأمين و الصلاة من الأمانة

نسأل الله أن يرحمنا و أن يلحقنا بعباده الصالحين و أن يتوفانا مسلمين مع النبيين و الصدقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولائك رفيقا .هذا واستغفر الله العظيم لي و لكم و لوالدي و والديكم انه هو الغفور الرحيم . و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم

******************************

الحمد لله الذي جعل الكتاب و السنة هدى للمتقين وعبرة للمعتبرين وموعضة للمؤمنين أحمده تعالى على آلائه و أشكره على نعمائه و أشهد أن لا الاه الا الله وحده لا شريك له أحيا بالدين القلوب وزكى به النفوس وأشهد ان سيدنا محمدا عبد الله ورسوله البشير النذير و السراج المنير اللهم صلي عليه وعلى آله و صحبه و سلم تسليما كثيرا.

عباد الله اختار الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي الهيثم بن الهيتان العبد الذي رآه يصلي و قال استوص به معروفا تلك هي وصية الاسلام المتكررة الاحسان لمن جعلهم الله في خدمة الآخرين عبيدا كانوا أو خدما أو عمالا جاء في الحديث الشريف الذي رواه أبو ذر اخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل و ليلبسه مما يلبس و لا تكلفوهم ما يغلبهم فان كلفتموهم فأعينوهم و كانت آخر وصاياه صلى الله عليه وسلم الصلاة و ما ملكت أيمانكم فالمطلوب من كل من جعل الله تحت يده خدما أو عمالا مواساتهم في المطعم و الملبس و عدم سبهم و تحقيرهم و الاحسان اليهم و عدم الترفع عليهم و اعانتهم اذا كلفوا بما فيه مشقة . انطلق أبو الهيثم الى امرأته فأخبرها بقول رسول الله صلى الله عليه و سلم المرأة شديدة الايمان شديدة التوقير لمقام النبي عليه السلام ترى أن وصيته واجبة التنفيذ بطريقة ترضي عنها و عن زوجها الله ورسوله فقالت ما أنت ببالغ ما قال فيه الني صلى الله عليه و سلم الا أن تعتقه قال فهو عتيق و بلغ فعلهما النبي صلى الله عليه و سلم فقال ان الله لم يبعث نبيا و لا خليفة الا و له بطانتان بطانة تأمره بالمعروف و تنهاه عن المنكر و بطانة لا تألوه خبالا و من يوق بطانة السوء فقد وقي و البطانة هم خاصة الرجل الذين يعرفون أسراره لثقته بهم شبههم ببطانة الثوب لأن البطانة مما يلي الجسد من الداخل فأهل ثقة الانسان لقربهم منه أطلق عليهم اسم البطانة و أم التيهان كانت بمثابة البطانة الصالحة لزوجها اذ وجهته لخير الدنيا و الآخرة و على كل انسان أن ينتقي لنفسه بطانة صالحة تشير عليه بالخير تأمره كما في هذا الحديث بالمعروف و تنهاه عن المنكر و النبي عليه السلام لم يخص الحديث بأم التيهان بل جعله يشمل كل الناس بما فيهم ساسة البشر حيث يكون دور البطانة خطيرا فقال ما بعث الله من نبي و لا استخلف من خليفة و من الناس من تكون بطانته تدعوه الى الخير دائما فذاك الذي عصمه الله و وقاه و منهم من يسمع تارة لبطانة الخير و أخرى لبطانة الشر فان غلب عليه القبول من أحدهما فهو ملحق بها ان خيرا فخير و ان شرا فشر و منهم من تتفرد به بطانة السوء التي لا يهمها الا خدمة مصالحها و تقلب الأمور و تظلم تغير الصالح الى طالح و الخير الى شر فتلبس بذلك الحق بالباطل وكل رجل من هذه البطانة السيئة أناني يقدم نفسه على كل شيء لا يهمه قريب أو صديق أمام مصلحته منافق يظهر لك ما لا يبطن له ألف قناع عفانا الله من أمثال هؤلاء وصف عليه السلام هذه البطانة بقوله لا تألوه خبالا أي لا تقصر و لكن في السعي بالضر و الخبال وهو اختلال الأمر و فساده يصدق في مثل هذه البطانة قول ربنا سبحانه ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم و ما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات ان كنتم تعقلون )

هذا و صلوا على من صلى عليه الله و الملائكة و المؤمنون قال تعالى ( ان الله و ملائكته يصلون على النبي با ايها الذين آمنوا صلوا عليه و سلمموا تسليما ) اللهم صلي و سلم عليه ما هبت النسائم و ما ناحت على الايك الحمائم و ارض اللهم عن الخلفاء الراشدين و الصحابة و التابعين و من تبعهم باحسان الى يوم الدين .

اللهم اجعلنا ممن تواضع لك فرفعته و اقبل تائبا فقبلته و تقرب لك فقربته و ذل لهيبتك فاحببته و دعا صادقا فاجبته و سالك فاعطيته و سترت ذنبه و غفرته و في هذه الجمعة برحمتك شملته .

اللهم اصلح لنا ديننا الذي هو عصمة امرنا و اصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا و اصلح لنا آخرتنا التي اليها معادنا

اللهم جنبنا مزالق الفتنة و عواقب الطغيان و ألف بين قلوبنا بمحكم القرآن و اجعل عاقبتنا خيرا في جنات عدن و مغفرة من الله و رضوان

اللهم انا نستغفرك انك كنت غفارا فارسل السماء علينا مدرارا . اللهم انبت لنا الزرع و ادر لنا الضرع و اسقنا من ماء السماء و اكشف لنا من البلاء

اللهم يا ناصرالمستضعفين اكلأ بعين رعايتك اخواننا الفلسطينيين اللهم وسع عليهم و ارزقهم و انصرهم و اكبت عدوهم يا ارحم الراحمين

اللهم اعز الاسلام و المسلمين و اذل الشرك و المشركين و اجعل هذا البلد آمنا مطمئنا و سائر بلاد المسلمين

ان الله يامر بالعدل و الاحسان و ايتاء ذي القربى و ينهى عن الفحشاء و المنكر و البغي يعظكم لعلكم تذكرون اذكروا الله يذكركم و اشكروه على نعمه يزدكم فمن جعل الحمد خاتمة النعمة جعل الله حمده فاتحة المزيد .

الجمعة، 12 فبراير، 2010

مؤمن آل فرعون ( للأستاذ هارون قريسة )

الحمد لله الذي بتحميده يستفتح كل كتاب و بذكره يصدر كل خطاب غافر الذنب و قابل التوب شديد العقاب…أحمده حمد من جلى بصيرته القران و انتفع بما جاء فيه من هداية و تبيان و اعترف لربه بالتفرد و السلطان…و أشكره جلت قدرته ووسعت كل شيء رحمته و بلغت كل أذن كلمته فقومت ما اعوج وثبت ما ارتج….

وأشهد ألا الاه الا الله وحده لاشريك له وهي أفضل الكلام و الواقية يوم يؤخذ بالنواصي والاقدام ثبت الله عليها قلوبنا و ألسنتنا عند النزع و يوم العرض على الملك العلام

واشهد أن سيدنا محمد عبدا لله و رسوله نبي من أنفسنا رفع الله له مقاما عليا و طهره من الرجس فسما نقيا زكيا و جمع فيه حرصا و رأفة و رحمة فكان اماما هديا صلى الله وسلم و بارك عليه و على اله و صحبه صلاة ترضيه فترضي رب العالمين وتشفع لنا يوم الدين

عباد الله : نتعرض اليوم ان شاء الله الى ذكر مؤمن آل فرعون

أيها الناس : سورة غافر من الربع الأخير وهي اولى الحواميم اتفق على انها مكية سميت سورة غافر لذكر وصف الله تعالى غافر الذنب في أولها و تسمى في بعض مصاحف الشرق بسورة المؤمن اذ فيها ذكرت قصة مؤمن آل فرعون الذي عارض قتل موسى في مجلس فرعون ووعظ الحاضرين و دعاهم الى الله هذا الرجل كان حاضرا منذ اول مواجهة بين موسى و فرعون قال الله تعالى (و لقد ارسلنا موسى بآياتنا و سلطان مبين الى فرعون و هامان و قارون فقالوا ساحر كذاب) جاء موسى بآيات بينات من ربه فاتهمه فرعون و ملأه بالسحر و قالوا لنئتين بسحر مثله و تواعد الفريقان يوم الزينة و ان يحشر الناس ضحى و يومها ابطل الله سحر السحرة بأن القى موسى عصاه فانقلبت ثعبانا حقيقيا حيا يبتلع كل حبالهم عصيهم التي خيل للناس من سحرهم انها تسعى و اتضحت الفروق الشاسعة بين السحر و المعجزة الالاهية السحرة دهشوا من ذلك و عرفوا انه ليس سحرا بل آية من ربهم و أحسوا بالهوان و الصغار و ندموا على تماديهم في الباطل و تحديهم لموسى و اعانتهم للفرعون على ظلمه و أيقنوا ان موسى مؤيد من ربه ( و القي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى و هارون ) الفرعون تحير خاب امله و فقد الثقة بنفسه اسقط كل غضبه على السحرة اتهمهم بالتآمر قال ان هذا الا مكر مكرتموه بالمدينة و اطلق التهديدات بصورة لا تتفق مع مقامه وهو الذي يدعي الألوهية و زاد من اسقاط هيبته و قداسته المزعومة امام الناس الاستهتار البالغ الذي واجه به المؤمنون وعيده و غضبه و كانه شأن لا يعنيهم ( قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات و الذي فطرنا فاقض ما انت قاض انما تقضي هذه الحياة الدنيا ) يوم الزينة هذا كان فاصلا مهما في حياة الفرعون تعرضت فيه الوهيته لنكسة سقط وقاره و ظهر بمظهر العاجز ذهب اليه كبار المسؤولين قالوا (أتذر موسى و قومه ليفسدوا في الأرض و يذرك و آلهتك )لم يمر وقت طويل حتى جمع الملك اركان حكمه في مجلس تشاوري ما العمل للقضاء على موسى و دعوته كان الفرعون في أيام مولد موسى قد أصدر أمرا بتقتيل ابناء بني اسرائيل و استحياء نسائهم و بمرور الوقت تراخى تنفيذ هذا الأمر حتى مات ذلك الفرعون و تولى ابنه فتوقف العمل بذلك الأمر تماما حتى جاء موسى و واجه الفرعون الجديد بدعوته الى الله و في المجلس طالبه الملأ بتجديد الأمر القديم ( قالوا اقتلوا ابناء الذين آمنوا معه و استحيوا نساءهم ) لكن الفرعون فيما يبدو لا يرى ذلك فهو بطول جلوسه في مجلس الحكم كولي للعهد لاحظ المشاكل التي تسبب فيها ذلك الأمر للأقباط لذلك فهو يميل الى الاقتصار على قتل موسى و يرى ان ذلك اقطع في انهاء دعوته قال سبحانه ( و قال فرعون ذروني أقتل موسى و ليدع ربه اني أخاف أن يبدل دينكم و أن يظهر في الأرض الفساد ) و عبارة ذروني اعلام منه بعزمه على القتل و تتضمن ايضا خطورة الاقدام عليه بل و صعوبة تحقيقه لاستيقانه بصدق موسى فخاف ان هم بقتله ان يعاجله رب موسى بالهلاك او يظهر معجزة تمنعه فكأنه يموه على الملا ايهاما بأنهم هم الذين يكفونه عن القتل في حين توحي العبارة عما في نفسه من خوف و جزع موسى لما بلغه ما قاله الفرعون في مجلسه خاطب قومه تطمينا لهم و تسكينا لأشفاقهم عليه بقوله ( اني عذت بربي و ربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب ) موسى يعلم ان الله ضمن له الحفظ و كفاه شر كل معاند فهو معه يسمع و يرى وهو هنا يحث قومه على الثقة بالله و التوكل عليه و الأنبياء اشد الناس ثقة بالله روى الحاكم عن عائشة رضي الله عنها قالت كان النبي صلى الله عليه و سلم يحرس حتى نزل قوله سبحانه و الله يعصمك من الناس فأخرج الرسول رأسه فقال لهم ايها الناس انصرفوا فقد عصمني الله و في الأثر ان الرسول عليه السلام كان اذا خاف قوما قال اللهم انا نعوذ بك من شرورهم و ندرأ بك في نحورهم موسى هنا يحتمي بالله من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب فالتكبر و الايمان بيوم الحساب لا يجتمعان اذ كيف يتكبر من يؤمن بانه سيقف حاسرا خاشعا خاضعا ذليلا امام العزيز الجبار ….

الرجل المذكور في سورة غافر لم ترد قصته في كتب بني اسرائيل و ان ذكر الشيخ الطاهر رحمه الله ان التوراة اشارت اليها باجمال وهو رجل من آل فرعون امير من الأسرة الحاكمة ومع ذلك له منصب وزاري او استشاري يجعله يحضر مجلس الفرعون الروايات الاسلامية تقول انه ابن عم الفرعون لكن بعض المحققين في المصادر المصرية القديمة استبعد ذلك و قال ان الأقرب انه ابن اخيه و يعني ذلك انه حفيد السيدة آسيا رضوان الله عليها عرف ابوه بالحكمة و مات وهو ولي عهد و على ذلك فصاحبنا من بيت حكمة و علم اسمه مختلف فيه كان يلازم مجلس الفرعون حضر حواره مع موسى و رأى معجزاته فغرست بذرة الايمان في سويداء قلبه و صار يتتبع اخبار موسى و دعوته عارفا بعقيدته و انتسب بذلك الى الله سبحانه انتسابا اختياريا و صار رابطه بالله وثيقا فنال بذلك اشرف الصفات اذ سماه ربه مؤمنا و استحق مكانه بين الصديقين فمما روي عن النبي صلى الله عليه و سلم قوله الصديقون ثلاث مؤمن آل فرعون و مؤمن ياسين و ابو بكر وهو افضلهم مؤمن آل فرعون ككثير من الناس كتم ايمانه فلم يصرح به لأحد لان اظهاره قد يضره و لا ينفع غيره حتى كان المجلس الذي عقده الفرعون بعد يوم الزينة و اذن له بالكلام قال سبحانه ( و قال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم ايمانه أتقتلون رجلا ان يقول ربي الله و قد جاءكم بالبينات من ربكم ) بدأ حديثه مستنكرا مجرد التفكير في قتل موسى بلا علة او سبب الا ان يقول ربي الله و هو الذي لم يكرههم على شيء بل خيرهم بين القبول و الرفض بل ان دعوته غير موجهة اليهم اساسا فموسى يطلب فقط تحرير قومه و السماح لهم بمغادرة البلاد بسم الله الرحمان الرحيم ( يا فرعون اني رسول من رب العالمين حقيق علي ألا أقول على الله الا الحق قد جئتكم بآية من ربكم فارسل معي بني اسرائيل ) ثم ان المؤمن ارتقى في حديثه الى التصريح بصدق موسى قال و قد جاءكم بالبينات من ربكم و هل ابلغ في البينة مما وقع يوم الزينة كلماته هذه قالها كذلك ابو بكر رضي الله عنه روى البخاري انه بينا الرسول عليه السلام يصلي بفناء الكعبة اذ اقبل عقبة بن ابي معيط فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه و سلم و لوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا فأقبل ابوبكر رضي الله عنه فأخذ بمنكبه و دفعه عن النبي عليه السلام ثم قال :

( أتقتلون رجلا ان يقول ربي الله و قد جاءكم بالبينات من ربكم ) المؤمن كان مع ذلك حذرا من ان يحسب عليه ذلك التصديق فعاد الى ايهام الشك في صدق الموسى حتى يبدو و كأنه في حالة نظر و تأمل و لعله بذلك يقود من في المجلس الى اعادة النظر في موقفهم من موسى قال (و ان يك كاذبا فعليه كذبه و ان يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم) ليعيدوا التفكير و لو بمنطق الربح و الخسارة فان كان موسى صادقا انتفع به الجميع و ان كان كاذبا فسوف لن يخسروا شيئا هذا المعنى ورد في شعر المعري اذ قال.:

قال المنجم و الطبيب كلاهما *** لا تبعث الأموات قلت اليكما

ان صح قولكما فلست بنادم *** أو صح قولي فالخسار عليكما

ثم ان موسى سيكذب على من على الله الذي لا يقرأحدا على الكذب فالكاذب لا يستقيم له امر فما يلبث ان يخذله الله و يفضحه (ان الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ) و قد قيل تستطيع ان تكذب على بعض الناس بعض الوقت لكن لا تسطيع ان تكذب على كل الناس كل الوقت و انتقل المؤمن بعد ذلك الى تمحيص النصح لقومه ساعيا الى ترقيق قلوبهم ذكرهم بنعم الله عليهم من علو في الارض و سيادة عليها و قوة ضاربة قهروا بها اعداءهم و خوفهم من غضب الله ان افسدوا في الارض فلا قبل لهم بسخط الله و بأسه (يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله ان جاءنا ) و قال ان جاءنا ليريهم انه منهم يأبى لأمته ما يأباه لنفسه و تنبه الفرعون الى نبرة التصديق لموسى الواضحة في كلام قريبه فقاطعه بحدة واضعا حدا لكل نقاش ( قال فرعون ما أريكم الا ما أرى و ما أهديكم الا سبيل الرشاد ) قول فيه من التكبر و العلو و الاستبداد ما جعله مذهبا لكل المتجبرين في الأرض من بعده و من سن سنة سيئة له وزرها و وزر من عمل بها الى يوم القيامة الجزء الأول من كلام المؤمن في المجلس يتقدم فيه و يتأخر كانه يجس النبض و بعد كلام الفرعون تأكد أنه لا يملك حجة يحاور بها فقط العجرفة و التكبر يدفعانه الى انهاء الحوار و يبدو ان هذا المؤمن مكين قي العائلة الفرعونية بالقدر الذي يسمح له بتجاهل قول الفرعون و الانتقال الى مرحلة جديدة في حديثه فواصل كلامه متجها الى الحضور يذكرهم بهلاك الأمم السابقة و يخوفهم من يوم القيامة (و قال الذي آمن يا قوم اني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح و عاد و ثمود و الذين من بعدهم و ما الله يريد ظلما للعباد و يا قوم اني أخاف عليكم يوم التناد يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم و من يضلل الله فما له من هاد )

اللهم خذ بنواصينا الى ما تحب و ترضى و زينا برحمتك بالبر و التقوى واجعلنا من عبادك المهتدين * أقول قولي هذا و استغفر الله العظيم لي و لكم و لوالدي و والديكم انه هو الغفور الرحيم

*************************

الحمد لله المتفرد بعظمته و مجده المدبر للأمور بمشيئته و حمده و أشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له في أوهيته و ربوبيته و فضله و أشهد ان محمدا عبده و رسوله خير داع الى هداه و رشده اللهم صلي و سلم و بارك على محمد و على آله و أصحابه و جنده

عباد الله : اخذ الحوار في المجلس منحى جديد اذ زاد توتر الفرعون فكلام المؤمن قريب من كلام موسى وهذا فضيع بالنسبة له فهو يعني ان تأثير موسى وصل الى اسرته فما بلك بالشعب لذلك نراه يواصل في التكبر و الاستعلاء فقال بكل صفاقة ( يا هامان ابن لي صرحا لعلي ابلغ الاسباب * اسباب السماوات فاطلع الى اله موسى و اني لأظنه كاذبا ) قمة الاستكبار و الجهل و الخبث و الاستهزاء لكن المؤمن واصل حديثه لكن هذ المرة بوضوح أظهر انه ليس مجرد مؤمن بدين موسى بل داعية اليه فدعا الحاضرين الى اتباعه و بين لهم هوان الدنيا عند ربها و ان الآخرة هي دار القرار ( و قال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد يا قوم انما هذه الحياة الدنيا متاع و ان الآخرة هي دار القرار من عمل سيئة فلا يجزى الا مثلها و من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب )و يظهر فيما تدل عليه الآيات انه قوطع من قبل اشخاص في الجلس دعوه الى الرجوع الى دين قومه لذلك رد عليهم مبينا الفرق الشاسن بين من الدعوة الى الله و الدعوة الى غيره أي الدعوة الى لا شيء (و يا قوم مالي أدعوكم الى النجاة و تدعونني الى النار تدعونني لأكفر بالله و أشرك به ما ليس لي به علم و أنا أدعوكم الى العزيز الغفار لا جرم انما تدعونني اليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة و أن مردنا الى الله و أن المسرفين هم أصحاب النار) اذا كان هو و كل المؤمنين يدعون الى الله و الى الطريق المستقيم فالى ماذا يدعو اعداؤهم الى لا شيء الى كلمات ما انزل الله بها من سلطان الى افكار و نظريات تسقط بمجر التمعن فيها فليس هناك على سطح الارض فكرة اسخف من الكفر بالله تعالى الكافرون في كل زمان يدعون ان المؤمنين يتبعون اسطورة او خرافة و الحقيقة ان لا اسطورة و لا خرافة في هذا العالم اكثر وضوحا و سخفا من الكفر بالله مهما زينها اصحابها بالكلمات الرنانة . و في الأخير و بكامل اليقين بنصر الله للمؤمنين و بيوم البعث و كتحد لخصومه قال ( فستذكرون ما أقول لكم و أفوض أمري الى الله ان الله بصير بالعباد ) قام هذا المؤمن بواجبه قام بأفضل الجهاد كلمة حق امام ملك ظالم ثم وكل امره الى الله فهو حاميه من كل النوائب كانت مكانته في الدولة و العائلة الفرعونية رفيعة حتى ان الفرعون لم يستطع ان يقتله بمجرد امر بل مكر للتخلص منه جمع مجلسا آخر في الخفاء للتخطيط لكيفية التخلص منه اتخذ ذلك المجلس عدة قرارات تضر بالمؤمن و منها قرارات تخدم مصالحه رغم ان الهدف من اقرارها الاساءة اليه و الله سبحانه المحيط بكل شيء امضى التي فيها صالحه و وقاه شر الأخرى قال جل من قائل ( فوقاه الله سيئات ما مكروا ) جازى الله سبحانه مؤمن آل فرعون بحسن العاقبة في الدنيا و الآخرة اما في الدنيا فنجاه من شر فرعون و مكره و أما في الآخرة فبالجنة ( و حاق بآل فرعون سوء العذاب ) العذاب في الدنيا بالغرق ثم العذاب في البرزخ (النار يعرضون عليها غدوا و عشيا )ما بقيت الدنيا يقال لهم يا آل فرعون هذه منازلكم يوم القيامة توبيخا و اذلالا لهم و في حديث الاسراء و آل فرعون كالابل المسمومة يخبطون الحجارة و الشجر و لا يعقلون فاذا كان يوم القيامة قال سبحانه (ادخلوا آل فرعون أشد العذاب )

هذا و صلوا على الرحمة المهداة و النعمة المسداة محمد بن عبدالله اللهم صلي و سلم عليه ما تلاحمت الغيوم و تعاقبت النجوم و ارض اللهم عن الخلفاء الراشدين و الصحابة و التابعين و من تبعهم باحسان الى يوم الدين .

اللهم خذ بنواصينا الى ما تحب و ترضى و زينا برحمتك بالبر و التقوى واجعلنا من عبادك المهتدين

اللهم انا نسألك خشيتك في الغيب و الشهادة و كلمة الحق في الغضب و الرضى و القصد في الفقر و الغنى و آت نفوسنا تقواها و زكها انت خير من زكاها انت وليها و مولاها

اللهم جنبنا مزالق الفتنة و عواقب الطغيان و ألف بين قلوبنا بمحكم القرآن و اجعل عاقبتنا خيرا في جنات عدن و مغفرة من الله و رضوان

اللهم اجعل لنا وللمسلمين من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً، اللهم فرج هم المهمومين، واقضِ الدين عن المدينين، واغفر لنا و والدينا و كل المسلمين

اللهم اعصمنا من شر الفتن و عافنا من جميع البلايا و المحن و أصلح منا ماظهر و ما بطن

اللهم انصر اخواننا الفلسطينيين اللهم وسع عليهم و ارزقهم و اكبت عدوهم يا ارحم الراحمين

اللهم اعز الاسلام و المسلمين و اذل الشرك و المشركين و اجعل هذا البلد آمنا مطمئنا و سائر بلاد المسلمين

ان الله يامر بالعدل و الاحسان و ايتاء ذي القربى و ينهى عن الفحشاء و المنكر و البغي يعظكم لعلكم تذكرون اذكروا الله يذكركم و اشكروه على نعمه يزدكم فمن جعل الحمد خاتمة النعمة جعل الله حمده فاتحة المزيد

سيرة الإمام الأعظم محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله ( الأستاذ هارون قريسة )

الإمام الأعظم محمد الطاهر بن عاشور

الحمد لله ارسل رسوله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله و كفى بالله شهيدا أحمده و اشكره و استغفره و اتوب اليه و كفى به وليا حميدا و اشهد ان لا الاه الا الله وحده لا شريك له تعضيما لشأنه و تمجيدا و اشهد ان نبينا محمد عبدالله و رسوله نبي شرح الله صدره و رفع ذكره و وضع وزره و اعلى في العالمين قدره صلى الله و سلم و بارك عليه و على آله و صحبه و من تبعهم الى يوم الدين .

عباد الله يقول الله تعالى (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خبير ) صدق الله العظيم

سنحاول اليوم باذن الله التعريف بسيرة عالم كبير هو علم الاسلام و المسلمين و منارة الاصلاح و المصلحين و شيخ مفسري كتاب الله في عصرنا الشيخ الاستاذ العلامة محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله و عائلة بن عاشور ذات أصل أندلسي استوطنت بعد خروجها من الاندلس شمال المغرب الأقصى ثم انتهي بها المطاف الى الاستقرار في مدينة تونس حيث عرفت كأسرة مشتغلة بالعلم و الخطط الدينية و برز منها بالخصوص محمد الطاهر بن عاشور الجد الذي تقلد مناصب هامة كالقضاء والإفتاء والتدريس ومن أشهر تلاميذه الشيخ سلم بوحاجب و محمد العزيز بوعتور الذي تولى الوزارة بعد ذلك و من تلاميذه ايضا ابنه الشيخ محمد ابن عاشور الذي زوجه والده من بنت تلميذه الوزير بوعتور و في سبتمبر 1879 ولد شيخنا محمد الطاهر بن عاشور بقصر جده للام الوزير بوعتور في المرسى و نشأ في بيت والده قاضي قضاة تونس في بيئة يغلب عليها التدين و العلم و كانت البداية مع حفظ كتاب الله فأتم حفظه في سنيه الأولى و لو راجعنا تاريخ كل علماء المسلمين و مصلحيهم لوجدنا ان بدايتهم مع حفظ القرآن الكريم و نعم البداية هي جاء في الحكم من أشرقت بدايته أشرقت نهايته و نحن شديدوا الغفلة عن هذه النقطة التي كانت أول ما يحرص عليه اسلافنا و آن الأوان لاعطاء هذه المسألة ما تستحق من الاهتمام فلنبعث بأطفالنا الى الكتاتيب و الجمعية القرآنية ليتعلوا كتاب الله حفظا و قراءة فقد روى ابو داود في سننه عن النبي صلى الله عليه و سلم من قرأ القرآن و عمل به ألبس والداه يوم القيامة تاجا ضوءه احسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا بعد حفظ القرآن الكريم حفظ شيخنا المتون العلمية و التي تكون في شكل اراجيز و أشعار تلخص تلخيصا دقيقا قواعد اللغة العربية و المسائل الفقهية مثل الفية بن مالك و متن ابن عاشر و غيرهما و كل هذا يوفر للطالب أساسا دينيا و لغويا صلبا لا بأس بعده من الاطلاع على الثقافات الأخرىو تعلم اللغات الاخرى فذلك يزيد في سعة الأفق و انفتاح الذهن دون ان يذوب الطالب في تلك الثقافات و كيف يذوب فيها و قد امتلك في مراحل تعليمه الأولى كل ما يجعله قوي الانتماء لهويته و دينه لذلك نرى أهل الشيخ قد وفروا له مدرسا خصوصيا لللغة الفرنسية حتى اتقن تلك اللغة و مكنه بعد ذلك من ان يقرأ لأشهر كتاب اروبا و الرد على بعض افكارهم بلغتهم أكثر ابنائنا يتعلمون بعض الفرنسية فتراهم يرطنون بها مكسرة بمناسبة و بدون مناسبة لا لهدف الا التظاهر أما العربية فيكاد حذقها يذهب من اذهانهم و هذا خطير فالعربية زيادة عن كونها لغة آبائهم و اجدادهم هي لغة القرآن الكريم و بدونها لا يمكنهم تذوق حلاوة كلام رب العالمين لما بلغ الثالثة عشرة من العمر التحق شيخنا بجامع الزيتونة فدرس النحو و الصرف و البلاغة و المنطق و التفسير و القراءات و الحديث و علم الكلام و الفقه و اصوله حتى حصل على التطويع في 1899 هذا التكوين أساسي لا بد لعالم في الدين ان يكون حاصلا عليه كثير من الناس تجده يجادل و يفتي و كل تكوينه مشاهدة برنامج تلفزي او مطالعة صفحة دينية في بعض الجرائد او قراءة كتيب الله اعلم بكاتبه هذا عموما ما كان يتلقاه الطالب في جامع الزيتونة لكن من كان همه العلم لا يكتفي بما يحصله في الدروس المقررة ترى الكثير من ابنائنا يخرج من المدرسة فيضرب بمحفظته عرض الحائط و لا يعود اليها الا غدا صباحا لا مثابرة و لا اجتهاد و لا مطالعة و شيخنا لم يكن كذلك كان اثناء دراسته مقبلا بشدة على مطالعة امهات الكتب و دواوين العلوم مشتغلا بالبحث في المسائل المختلفة و بعد حصوله على التطويع عاد الى حضور دروس شيوخه الذين أجازوه و شهدوا له بالتفوق و النبوغ و خاصة منهم الشيخ محمد النخلي الذي ربى فيه نبذ التقليد و الشيخ الجليل سالم بوحاجب الذي عمق فيه الميل الى التجديد و الاصلاح كما استفاد منه الأدب و العلم انتبهوا هنا الى الاقتران العجيب و الضروري بين العلم و الأدب و لطول ملازمته لهذين الشيخين شب رحمه الله ميالا الى الفكر الاصلاحي الذي ركز اسسه في تونس خير الدين التونسي و جماعته و من رواده في العالم الاسلامي الامام محمد عبدة الذي زار تونس مرتين الأولى و شيخنا صغير السن و الثانية سنة 1903 و شيخنا شاب فقابله و حاوره واستفاد من زيارته سعة علم الشيخ و نبوغه و ميوله الاصلاحية جعلت بواكير انتاجه رائعة اذ ألف وهو في الثامنة و العشرين من عمره كتابا سماه أليس الصبح بقريب بين فيه أسباب تأخر التعليم في بلاد المسلمين و حدد فيه بدقة عجيبة سبل تطوير نظم التعليم كتب هذا الكتاب سنة 1907 لكنه لم ينشره الا في الستينات و برر ذلك بالظروف الغير مواتية قال خشيت عليه عواصف الأهواء فطويته فشيخنا واقعي يرى انه ليس كل كلام يقال في أي وقت فقد تقول الرأي الحسن في غير وقته فيحدث من المشاكل و السلبيات ما يجعله رأيا شاذا مسببا للفتن و مع ذلك نرى الشيخ لما أصبح مسؤولا على التعليم الزيتوني عمل جاهدا على تطبيق ما استطاع من رؤيته الاصلاحية للتعليم رغم ما تعرض اليه من مضايقات من سلطات المستعمر و بعض التونسيين في الزيتونة و خارجها و كانت لمحمد الطاهر بن عاشور دائرة واسعة من العلاقات و الصداقات خارج تونس و داخلها و كلها تقريبا من رجال العلم و الاصلاح و التدين و نحن يجب ان نظر ايضا في صداقاتنا قل لي من صديقك اقل لك من انت و من أحب اصدقاء الشيخ الى نفسه الشيخ محمد الخضر حسين اصله من نفطة درس في الزيتونة و عين قاضيا ببنزرت و خطيبا بجامعها ثم عاد الى التدريس بالزيتونة اطرده المستعمر فطاف سنين بين بلاد المشرق و اروبا ثم استقر بمصر في 1939 اراد الحصول على شاهدة العالمية من الأزهر فأدهش اللجنة الممتحنة كلما تعمقت اسئلتهم وجدوا اجابته اكثر عمقا حتى قال رئيس اللجنة هذا بحر لا ساحل له نال أعلى الرتب في مصر حتى عين شيخا أعظم للجامع الأزهر كانت بين هذا الرجل و الشيخ بن عاشور صداقة عميقة تواصلت حتى بعد الفراق بالمراسلات اللطيفة و مما قاله الخضر حسين عن الطاهر بن عاشور للاستاذ فصاحة و غزارة علم و قوة نظر و صفاء ذوق مع صدق في اللهجة و نقاء في السريرة من كل خاطر سيء انظروا الى هذه الصفات مع طموح و جد في العمل و محافظة على واجبات الدين و آدابه و بالاجمال ليس اعجابي بوضاءة اخلاقه و سماحة آدابه بأقل من اعجابي بعبقريته في العلم الرجلان اصبح لكل منهما اعلى منصب ديني هذا شيخ الجامع اللأعظم بتونس و ذاك شيخ الجامع الازهر في مصر التي برز فيها علي عبد الرازق بكتابه الاسلام و أصول الحكم و هو كتاب خطير ينفي عن الاسلام شموليته رد عليه الكثير من المسلمين في العالم لكن اهم الردود على الاطلاق كانت لهذين الرجلين الجليلين اذ ان ردهما كان عميقا مفحما قلل من أهمية ذلك الكتاب و تأثيره سمة أخرى من سمات الشيخ الطاهر هي الوسطية و الاعتدال و هي صفة حميدة يجب ان يتحلى بها كل مسلم و الشيخ معتدل في كل شيء فهو مالكي لكن غير متعصب لمذهبه يجل السلف و لا يهمل كل فكر جديد نير ينأى بعقله عن الأراء الشاذة و المواقف المتطرفة لكن مع اعتداله كان شجاعا في ابداء آراءه و من ذلك اعلانه موقفا صريحا قويا في مسألة صوم رمضان التي اثيرت في بداية الستينات فأحيل الى التقاعد و لزم بيته و هنا نلاحظ انه رحمه الله لم يكن فقيه سلطان يفتي بما يريده المسؤولون بل كان يقول ما يرضي ربه و ان كلفه ذلك شغله و مكانته الكبيرة التي وصلها بفضل علمه و حركيته و سعيه الدائم للافادة اذ ارتقي في الرتب العلمية و الادارية فعين سنة1917 قاضيا للجماعة المالكية ثم في 1923 مفتيا للديار التونسية و في سنة 1932 شيخ الاسلام المالكي كما عين شيخا لجامع الزيتونة مرتين آخرها من 1945 الى الاستقلال و لما انشأت كلية الشريعة عين أول عميد لها حتى بداية الستينات كل تلك المسؤوليات لم تمنعه من التأليف و التصنيف الف أربعين كتابا في التفسير و المقاصد و السيرة و اللغة و الأدب هذا دون اعتبار البحوث و المقالات في الصحف و المجلات المهتمة بالشؤون الاسلامية في تونس و خارجها و أهم ميزات الشيخ البارزة في كتبه هي التحقيق الدقيق للمسائل التي يكتب فيها الشيء الذي يجعل من تلك الكتب مرجعا ثمينا للعلماء و الطلبة و هذه الميزة قلما تكون في المتكلمين عن الاسلام سواء كانوا من ابنائه او اعدائه و هي ميزة حري بنا أن نأخذ منها ما استطعنا عندما نتكلم عن المسائل الدينية فلا يكفي هنا حسن النية بل مطلوب ايضا التدقيق في صحة ما نقوله و الكتب التي الفها الشيخ محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله لا يزال الكثير منها مخطوطا لم ينشر بعد فالعلماء و المحققون في العالم الاسلامي تأخر اهتمامهم بانتاج هذا الشيخ قال عنه الداعية محمد الغزالي هو رجل القرآن الكريم و امام الثقافة الاسلامية المعاصرة و لكنه لم يلقى حضه لذلك نرى اليوم العديد من الجامعات الاسلامية في العالم الاسلامية تسعى الى تحقيق كتبه و العمل على نشرها

اللهم ارحم علماءنا و اجعلنا ممن علم فعمل و تقرب لك فقبل واجعلنا من المتأسين برسولك و من سار على سنته الى يوم الدين يا أرحم الراحمين هذا واستغفر الله العظيم لي و لكم و لوالدي و والديكم انه هو الغفور الرحيم . و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم

******************************

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على اشرف المرسلين

عباد الله أهم كتب الشيخ الطاهر و اقربها الى نفسه هو ذلك الذي قضى في تأليفه حوالي 40 سنة و نعني به تفسيره للقرآن الكريم التحرير و التنوير و المطبوع في 15 جزء قدم له بعشر مقدمات بين فيها منهجه و أصول علم التفسير و ما يمكن ان يتسلح به المتصدر لهذا العلم من معارف و علوم و هذه المقدمات هامة اشبعت درسا من طرف العلماء بل اتخذها بعضهم مواضيع لدروس المساجد في السنة الفارطة نظمت لأشهر دروس مسترسلة بعد الظهر و قبل العشاء في بعض مساجد المدينة المنورة موضوعها مقدمات بن عاشور في التفسير و يمكن ان نستنتج منها ان أي انسان لا يمكن له ان يتحدث في تفسير القرآن و هو خال الوفاض من تكوين يرى الشيخ الطاهر امتلاكه ضروريا لأي مفسر لكتاب الله بعد تلك المقدمات يبدأ بتفسير سور القرآن حسب ترتيب المصحف فيقدم للسورة بذكر وجه تسميتها و ترتيبها في النزول بعد ذلك يعرض أغراضها و الموضوعات التي تعرضت لها ثم يبين سياق الآيات و ترابط مواضيعها فيبرزها كنسيج واحد كما يهتم بالقراءات فيذكرها و يستخلص من ذلك معان ثم يتعرض الى اسباب النزول و يستعين به على فهم الآية دون الاكثار من الرواية عن النبي صلى الله عليه و سلم او الصحابة الا اذا كان في ذلك ترجيح لمعنى على معنى و لا يكتفي بنقل الروايات بل يناقش ما كان قابلا للنقاش و قد اهتم رحمه الله بابراز الجانب البلاغي في القرآن الكريم فبرع في ابراز دلائل الكلمات في القرآن مستخرجا ما تتضمنه من دقائق و لطائف بيانية كما يتعرض الى الاعجاز العلمي دون أن يجعله أساسا في تفسيره مع حرص على اظهار الآداب و المعاني التي فيها تربية و تهذيب للنفوس لان ذلك من وظائف القرآن الأولى و هو أقل المفسرين على الاطلاق وقوعا في الاسرائيليات التي كان يصفها بالخرافات اما مصادره فقد اعتمد على اغلب التفاسير القديمة و خاصة الزمخشري و ابن عطية مع مناقشة اقوالهم و ردها احيانا

و في افريل 19710 فجع الشيخ الطاهر بن عاشور بموت ابنه العالم الكبير محمد الفاضل بن عاشور الذي مات و هو يجمع بين منصبي عميد كلية الشريعة و مفتي للديار التونسية و قد أظهر الشيخ الطاهر جلدا و صبرا يليقان به كان لابنه الفاضل ابناء يدرسون في الجامعة لم يقفوا لتقبل العزاء اجلالا لجدهم الذي وقف منفردا بصفته رئيس العائلة و كبيرها لتقبل العزاء في ابنه و بالطبع لا مقارنة هنا مع ما نراه في مقابرنا حيث يكون صف المتقبلين للعزاء احيانا اطول من من صف المعزين يقف فيه الكبير و الصغير الذي لا يكاد يعي ما حوله و في اوت 1973 توفي الشيخ محمد الطاهر بن عاشور عن سن 94 سنة تقبله الله برحمته تاركا الاثر الكبير علميا و ادبيا على الكثير من معاصريه نذكر منهم على سبيل الذكر لا الحصر اثره الكبير في تكوين شخصية الشيخ عبد الحميد بن باديس مؤسس جمعية العلماء الجزائرية فهو الذي غرس فيه حب العربية و تذوق جمالها و ساهم في تعميق توجهه الاصلاحي كما ان للشيخ الطاهر تأثير خاص في بلدتنا الوردانين ففينا عاش الشيخ عبدالكريم قريسة الذي يعتبر تلميذا وفيا للشيخ الطاهر و ابنه الشيخ الفاضل رحمهما الله و طالما حدثنا عن هذين الشيخين باسهاب و اعجاب و بعده اهتم الدارسون للشريعة من ابناء بلدتنا بمؤلفات الشيخ الطاهر فكتب الشيخ الشتيوي عن كتابه مقاصد الشريعة الاسلامية دراسة سماها مقصد المقاصد العاشورية و كتب الدكتور هشام قريسة عن مظاهر التنوير عند بن عاشور من خلال كتابه أليس الصبح بقريب….

هذا و صلوا على الرحمة المهداة و النعمة المسداة محمد بن عبدالله اللهم صلي و سلم عليه ما تلاحمت الغيوم و تعاقبت النجوم و ارض اللهم عن الخلفاء الراشدين و الصحابة و التابعين و من تبعهم باحسان الى يوم الدين .

اللهم ارحمنا بالقرآن و اجعله لنا اماما ونورا و هدى ورحمة اللهم ذكرنا منه ما نسينا و علمنا منه ما جهلنا و ارزقنا تلاوته آناء الليل و اطراف النهارو اجعله لنا حجة يا رب العالمين

اللهم اجعل كتابك لنا هاديا و دليلا و أوردنا من حوض نبيك وردا نقيا خالصا سلسبيلا و اكتبنا من الذين هم خير مقاما و أحسن قبيلا

اللهم انا نسألك ان تبرم لهذه الأمة امر رشد يعز فيه أهل طاعتك و يذل فيه أهل معصيتك و يؤمر فيه بالمعروف و ينهى عن المنكر .

اللهم اجعلنا ممن تواضع لك فرفعته و اقبل تائبا فقبلته و تقرب لك فقربته و ذل لهيبتك فاحببته و دعا صادقا فاجبته و سالك فاعطيته و سترت ذنبه و غفرته و في هذه الجمعة برحمتك شملته .

الهم اكرمنا و لا تهنا و اعطنا ولا تحرمنا و زدنا ولا تنقصنا و اجعل عواقب امورنا الى خيرو قنا عذاب الناريا ارحم الراحمين

اللهم انصر عبادك المجاهدين في فلسطين و وسع عليهم و ارزقهم و اكبت عدوهم يا ارحم الراحمين

اللهم اعز الاسلام و المسلمين و اذل الشرك و المشركين و اجعل هذا البلد آمنا مطمئنا و سائر بلاد المسلمين

ان الله يامر بالعدل و الاحسان و ايتاء ذي القربى و ينهى عن الفحشاء و المنكر و البغي يعظكم لعلكم تذكرون اذكروا الله يذكركم و اشكروه على نعمه يزدكم فمن جعل الحمد خاتمة النعمة جعل الله حمده فاتحة المزيد

       حرصا منا على تعميم الفائدة أقدم لكم كتاب التحرير والتنوير

التحميل 1MMX-BOO

سيرة جابر بن عبدالله و أبيه رضي الله عنهما ( للأستاذ هارون قريسة )

ان الحمد لله نحمده و نستعينه و نستهديه و نشكره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهتدي و من يضلل فلن تجد له وليا مرشدا و أشهد أن لا الاه الا الله و حده لا شريك له و لا مثيل له و لا ضد و لا ند له و أشهد ان سيدنا و حبيبنا و قرة أعيننا محمدا عبدالله و رسوله طب القلوب و دواؤها و و عافية الأبدان و شفاؤها و نور الأبصار و ضياؤها اللهم صلي و سلم و بارك عليه و على آله الأبرار و صحابته الأخيار

عباد الله موضوعنا اليوم باذن الله حول سيرة جابر بن عبدالله و أبيه

أيها الناس عبد الله بن عمرو بن حرام من أشراف يثرب قبل الهجرة سمع بدخول بعض شباب يثرب في الاسلام ثم انتبه الى تزايد عديد المسلمين في مدينته و توافدهم على مصعب بن عمير القرشي يعلمهم مبادئ الدين الجديد و ممن آمن ابنه جابر لم يبدي انشغالا بذلك حتى كان موسم الحج فخرج حاجا مع قومه من المشركين و فيهم بعض المسلمين المتواعدين مع النبي صلى الله عليه و سلم على لقائه سرا عند العقبة ثاني ايام التشريق يقول كعب بن مالك و كانت اليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه و سلم و معنا عبد الله بن عمرو بن حرام فكلمناه و قلنا له يا أبا جابر انك شريف من أشرافنا و انا نرغب بك عما انت فيه ان تكون حطبا للنار غدا ثم دعوناه الى الاسلام و اخبرناه بميعاد النبي عليه السلام فأسلم و شهد معنا العقبة هو و ابنه جابر الذي كان في السادسة عشرة . وقر في قلب ابي جابر يقين بصدق النبي عليه السلام و بعد الهجرة اجتهد في كل ما يقربه من الله و رسوله وكان عمله كعمل اخوانه من الصحابة في لزوم طاعة النبي و الجهاد معه ولكن شيئا في قلبه من الحب لله و الرضا عنه رفعه عند الله الى درجة لم يصلها احد قبله فانتبهوا عباد الله الى اهمية اعمال القلوب فالقلب هو محط ومحل نظر الرب من العبد و الكبيرة قد يقترن بها من اعمال القلب كالحياء والخوف والاستعظام لها ما يلحقها بالصغائر و الصغيرة قد يقترن بها من اعمال القلب من قلة الحياء وعدم المبالاة والاستهانة بها ما يلحقها بالكبائر فاعملوا على اصلاح قلوبكم فان حاجة الله الى العباد صلاح قلوبهم عبد الله بن عمرو جعل نفسه و ماله في خدمة الاسلام حتى جاءت غزوة احد أحس انه قريب من الشهادة فدعا ابنه جابر والقى له بوصيته و الوصية حث عليها ديننا الحنيف قال عليه السلام فيما رواه البخاري ما حقُّ امرىءٍ له شيءٌ يوصي فيه يبيت ليلتين الا و وصيته

مكتوبةَ عنده أوصى عبدالله ابنه جابر فقال اني لا أراني الا مقتولا في هذه الغزوة بل لعلي سأكون أول شهدائها من المسلمين واني والله لا أدع أحدا بعدي أحبّ اليّ منك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وان عليّ دينا فاقض عني ديني واستوص باخوتك خير

وصية تظهر مقدار حبه للرسول صلى الله عليه و سلم كما تظهر عدم استهانته بما عليه من ديون فأبو جابر أمين صادق في اداء دينه و من كان صادقا في اداء دينه يسر الله له الوفاء بذلك و هو يحس بقرب منيته لذلك ابرأ ذمته و جعل دينه في ذمة ابنه و خرج رضي الله عنه الى المعركة وقاتل فيها قتال مودع و كان من اول من استشهد و بعد المعركة مر صلى الله عليه و سلم بأهله يبكونه فقال ابكوه أو لا تبكوه فان الملائكة لتظلله بأجنحتها حتى رفع….قال القاضي عياض ازدحمت عليه الملائكة تبشره برضا الله عنه و ما اعد له من الكرامة و بعد ذلك استدعى صلى الله عليه و سلم ابنه جابر و أخبره بنبأ عظيم قال يا جابر ان الله لم يكلم أحدا الا من وراء حجاب و كلّم اباك كفاحا أي مواجهة فقال له عبدي تمن علي فقال رب ردّني إلى الدنيا فأقتل فيك مرة أخرى فقال الله سبق القول مني أنهم اليها لا يرجعون قال رب فأبلغ من ورائي بما أعطيتنا من نعمة فأنزل سبحانه :(ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما أتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون) و من لطف الله بعبد الله بن عمرو قضى عنه دينه قال جابر ترك والدي حَدِيقَتَيْنِ و دينا كبيرا أكثره ليهودي و تمر الحديقتين لا يسدد ذلك الدين في سنوات فَاسْتَشْفَعْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم علهم يضعوا شيئا من ذلك الدين فأبوا و طلب من اليهودي أَنْ يأْخُذَ الْعَامَ نِصْفَهُ وَيؤَخِّرَ نِصْفَهُ فأبى ‏‏ فَقَالَ له النَّبِيُّ عليه السلام ( هَلْ لَكَ أَنْ تَأْخُذ الجداد )َ فأبى فَلَمَّا رَأَى مَا يَصْنَعُونَ انطلق معي فَمَشَى خلال النخل وَدَعَا ثم جلس و قال أدع اصحابك فجعل على ما روى النسائي يُجَدُّ وَيُكَالُ مِنْ أَسْفَلِ النخل و رسول الله صلى الله عليه و سلم يدعو بالبركة حتى وفاهم جميع حقهم من أصغر الحديقتين و ما بقي لأحد على ابي دين و بقي لي فضل كبير فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك ( وَقَالَ ‏ائْتِ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فَأَخْبِرْهُمَا ذَلِكَ ) ‏فَأَخْبَرْتُهُمَا فَقَالاَ قَدْ عَلِمْنَا إِذْ صَنَع رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا صَنَعَ أَنَّهُ سَيَكُونُ ذَلِكَ . و جابرمن صغار الصحابة المحببين الى رسول الله صلى الله عليه و سلم و أكثر اصحاب النبي من الشباب فالشباب هم سر نهضة الأمم لأنهم في مرحلة القدرة على العطاء والإنتاج و أسرع الناس استجابة للجديد لذلك كان للنبي صلى الله عليه و سلم اهتمام خاص بالشباب يتعامل معهم برفق جاء في الحديث الشريف ما كان الرفق في شيء إلا زانه و ما نزع من شيء إلا شانه كان يصبر على تعليمهم قال ابن عباس كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا حدث الحديث أو سئل عن الامر كرره ثلاثا ليفهم ويفهم عنه كان يحسن معاملتهم عن جرير بن عبد الله انه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيت مدحوس من الناس فقام بالباب فنظر النبي عليه السلام يمينا وشمالا فلم ير موضعا فأخذ رداءه فلفه ثم رمى به إليه وقال اجلس على هذا فأخذه جرير فوضعه على وجهه وقبله كان يثني عليهم فللثناء تأثير كبير على النفوس و من ذلك قوله إن أحب الخلائق إلى الله عز وجل شاب حدث السن في صورة حسنة جعل شبابه وجماله لله وفي طاعته ذلك الذي يباهي به الرحمن ملائكته يقول هذا عبدي حقاً كان عليه السلام يضع ثقته في الشباب و يكلفهم بالمهام الجسام قبل الهجرة بعث مصعب بن عمير سفيرا له الى يثرب وهو بالكاد تجاوز العشرين فحقق نجاحا عجيبا و عين على مكة بعد فتحها عتاب بن أسيد وهو في بداية العشرينات من عمره وهو اول أمير على الحج بعد الفتح وعين أسامة بن زيد وهو في الثامنة عشرة على جيش فيه كبار الصحابة موجه لمحاربة بيزنطة اكبر دولة في العالم في ذلك الوقت و جابر بن عبد الله من هذا النوع من صغار الصحابة الذين تعلموا من النبي صلى الله عليه و سلم الاخلاص و البذل و تنقية النفس من الرذائل و الشح روى البخاري عن جابر قال لما حفر الخندق رأيت بالنبي صلى الله عليه و سلم خمصا شديدا من أثر الجوع فانكفيت الى امرأتي فقلت هل عندك شيء فاني رأيت برسول الله خمصا شديدا فأخرجت الي صاعا من شعير فطحنته و لنا بهيمة داجن ذبحتها ثم وليت الى رسول الله صلى الله عليه و سلم فساررته فقلت ذبحنا بهيمة و طحنا صاعا من شعير كان عندنا فتعال انت و نفر معك فصاح النبي يا أهل الخندق ان جابر قد صنع طعاما فحي هلا بكم ثم قال لي لا تنزلن برمتكم و لا تخبزن عجينكم حتى اجيء مضى جابر إلى البيت وقد ركبه من الهم ما لا يعلمه إلا الله و اعلم امرأته بما وقع قالت هل أعلمته بما عندك من طعام قال نعم قالت سر عن نفسك الله و رسوله اعلم و جاء النبي عليه السلام و من معه قال لامرأتي هات خابزة فلتخبز معك فلتخبز معك واغرفي من قدرك ولا تنزليها عن الموقد ثم طفق يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم و يقربه إلى أصحابه حتى شبعوا جميعا و انفضوا و ان قدرنا لتفور ممتلئة و ان عجيننا ليخبز كما هو .

وقد حضر جابر مع رسول الله صلى الله عليه و سلم كل المشاهد باستثناء بدر و احد حيث منعه والده رضي الله عنهما ومن ذلك خروجه معه عليه السلام في غزوة تبوك وما كان بينهما في طريق العودة جاء في الصحاح مما ألف بينه ابن حجر في الفتح أن جابرا قال اَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ لَهُ قَدْ اَعْيَا قال فمر بي صلى الله عليه و سلم فقال ما شانك‏ قلت‏‏ ابطا بي جملي فنضح ماء في وجهه ونخسه نخسات بعصية و دعا له ثم قال اركب باسم الله فانبعث حتى صرت احبس خطامه فقال عليه السلام كيف ترى بعيرك قلت بخير قد اصابته بركتك‏‏ ثم انه عليه السلام باسطه الحديث فقال تبيعني جملك فقال جابر هولك يا رسول الله قال صلي الله عليه وسلم لا بعنيه فقال ثمنه يا رسول الله قال عليه السلام تبيعه بدرهم و الله يغفر لك قال اذا تغبرني يا رسول الله فقال بدرهمين و الله يغفر لك قال تغبرني قال بثلاثة دراهم و الله يغفر لك قال يا رسول الله قليل يقول جابر استغفر لي رسول الله صلي الله عليه وسلم ليلة البعير خمسا و عشرين مرة قال فلما أكثر علي قلت ان لرجل علي أوقية من ذهب هو لك بها قال قد اشتريته قال جابرهو لك عل ان يكون لي حملان الى المدينة قال نعم وانتهي موضوع البيع و بدا موضوع ثاني قال عليه السلام ياجابر تزوجت بكرا ام ثيبا قال تزوجت ثيبا فقال عليه السلام هلا بكرا تلاعبها و تلاعبك فقال جابر يا رسول الله ترك والدي تسع بنات صغار فتزوجت بمن تقوم بهن اختار ان يتزوج اما لأخواته تقوم عليهن و تطبخ لهن لم يلتفت الى رغبته آثر مصلحة اخواته و الايثار هو أن تفضل منافع غيرك عن منافعك و هو خلق لا يكون إلا عند من ملأ حب الله و رسوله قلبه و تاقت نفسه الى رضا الله و القرب منه و الايثار خلق مدحه الله تعالى بقوله (و يؤثرون على انفسهم و لو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) قال له النبي صلى الله عيه و سلم ( أصبت بارك الله لك )

اللهم اجعلنا ممن علم فعمل و تقرب لك فقبل واجعلنا من المتأسين برسولك و من سار على سنته من سلفنا الصالح يا أرحم الراحمين

هذا واستغفر الله العظيم لي و لكم و لوالدي و والديكم انه هو الغفور الرحيم . و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم

*******************************

الحمد لله الذي جعل كتابه هدى للمتقين وعبرة للمعتبرين وموعضة للمؤمنين و شفاء لما في صدور العالمين أحمده تعالى على آلائه و أشكره على نعمائه و أشهد أن لا الاه الا الله وحده لا شريك له أحيا بالدين القلوب وزكى به النفوس وأشهد ان سيدنا محمدا عبد الله ورسوله البشير النذير و السراج المنير اللهم صلى عليه وعلى آله و صحبه و سلم تسليما كثيرا

عباد الله نواصل مع جابر قال لما قدمنا المدينة قَال النبي عليه السلام ( امهلوا حتى نَدْخُلَ لَيْلًا لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ ) أي حتى تستعد النساء لاستقبال ازواجهن و أرسل المبشرين الى المدينة قال جابر ثم اني غدوت اليه صلى الله عليه و سلم بالبعير ‏فعقلته و دخلت عليه المسجد فقلت‏ هذا جملك يا رسول الله فخرج وجعل يطيف به ويقول‏‏ جملنا ثم قال لبلال اعطه اوقية من ذهب وزده ففعل وانطلقت لأعود فاذا به عليه السلام يدعوني قلت‏ الان يرد علي الجمل ولم يكن شيء ابغض الي منه فاذا به صلى الله عليه و سلم يقول اتراني انما ماكستك لاخذ جملك خذ جملك ودراهمك هما لك و بعد وفاة النبي صلى الله عليه و سلم ظل رضي الله عنه مجاهدا في سبيل الله مشاركا في فتح البلدان وكذلك مصدر إشعاع وهداية للمسلمين اذ كان من فقهاء الصحابة له حلقة في المسجد النبوي يؤخذ عنه العلم و الفتوى و مع ذلك لم يكف عن التعلم حتى يسافر الأيام الطوال ليسمع حديثا قال بلغني حديث عن عبدالله بن انيس فابتعت بعيرا و سرت إليه شهرا حتى لقيته في العريش فقلت حديث بلغني أنك سمعته من رسول الله في المظالم لم أسمعه أنا منه فرواه لي و جابر رضي الله عنه من أكثر الصحابة رواية للحديث النبوي روى 1540 حديثا ومما رواه عنه البخاري حديث الاستخارة و صلاة الاستخارة سنة باجماع العلماء لمن أراد أن يعمل عملاً ولكنه مترددٌ لا يدري وجه الصواب فيه وهي طَلَبُ صَرْفِ الْهِمَّةِ لِمَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ اللَّهِ الحكمة منها التَّسْلِيمُ لأَمْرِ اللَّهِ و تفويض الأمر اليه و لا تكون في مَا هُوَ مَعْرُوفٌ خَيْرَهُ أَوْ شَرَّهُ كَالْعِبَادَاتِ وَصَنَائِعِ الْمَعْرُوفِ وَالْمَعَاصِي وَالْمُنْكَرَاتِ بل تكون في المباحات و في الأثر لا خاب من استخار و ما ندم من استشار فلا بأس ان تقرن الاستخارة بمشاورة اهل الرأي يقول النووي يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَشِيرَ قَبْلَ الاسْتِخَارَةِ و كيفية صلاة الاستخارة ركعتان يَقْرَأَ فِي الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ بالْكَافِرُونَ وَفِي الثَّانِيَةِ بقل هو الله احد و يجوز أَنْ يُزَادَ عَليهما مَا وَقَعَ فِيهِ ذِكْرُ الْخِيَرَةِ مِنْ الْقُرْآنِ كقَوْلِهِ تَعَالَى (وَرَبُّك يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَار )أو كقوله ( مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) وفي المذاهب الاربعة يَكُونُ الدُّعَاءُ عَقِبَ الصَّلاةِ و اجاز ابن تيمية أن يكون قَبْلَ السَّلامِ و نص الدعاء ما رواه الْبُخَارِيُّ عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ ( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُعَلِّمُنَا الاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُنَا السورة من القرآن يقول إذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ لِيَقُلْ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ اللَّهُمَّ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ ارْضِنِي بِهِ وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ ثم بعد الاستخارة يقوم إلى ما ينشرح له صدره )

هذا و صلوا على الرحمة المهداة و النعمة المسداة محمد بن عبدالله اللهم صلي و سلم عليه ما تلاحمت الغيوم و تعاقبت النجوم و ارض اللهم عن الخلفاء الراشدين و الصحابة و التابعين و من تبعهم باحسان الى يوم الدين

اللهم تقبل توبتنا و أجب دعوتنا واهد قلوبنا و سدد ألسنتنا و اهدنا ويسر لنا الهدى و اجعلنا من الشاكرين

اللهم إنا عبيدك فقراء إلى رحمتك خائفون من عذابك فارحمنا برحمتك ونجنا من عذابك ولا تؤاخذنا بما فعلنا فإنك أهل العفو والإحسان

الهم اكرمنا و لا تهنا و اعطنا ولا تحرمنا و زدنا ولا تنقصنا و اجعل عواقب امورنا الى خيرو قنا عذاب الناريا ارحم الراحمين

اللهم وسع أرزاقنا ويسر أقواتنا واجعل ما رزقتنا قوة لنا على طاعتك ومتاعا إلى حين

اللهم انا نسألك ان تبرم لهذه الأمة امر رشد يعز فيه أهل طاعتك و يذل فيه أهل معصيتك و يؤمر فيه بالمعروف و ينهى عن المنكر

اللهم استر عوراتنا و آمن روعاتنا و أكفنا ما أهمنا و قنا من شر ما نخاف

اللهم أغثنا غيثا مباركاً تحيي به البلاد وترحم به العباد وتجعله بلاغاً للحاضر والباد للهم أغثنا غيثا مغيثاً هنيئاً مريئاً غدقاً عاجلا غير آجل شاملاً لجميع البلاد

اللهم ان عبادك في فلسطين يشكون عدوا قاهرا و جدارا عازلا فوسع اللهم ارزقهم و اكبت عدوهم يا ارحم الراحمين

اللهم اعز الاسلام و المسلمين و اذل الشرك و المشركين و اجعل هذا البلد آمنا مطمئنا و سائر بلاد المسلمين

ان الله يامر بالعدل و الاحسان و ايتاء ذي القربى و ينهى عن الفحشاء و المنكر و البغي يعظكم لعلكم تذكرون اذكروا الله يذكركم و اشكروه على نعمه يزدكم فمن جعل الحمد خاتمة النعمة جعل الله حمده فاتحة المزيد

موسى عليه السلام والسامري ( للأستاذ هارون قريسة )

ان الحمد لله نحمده و نستعينه و نستهديه و نشكره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهتدي و من يضلل فلن تجد له وليا مرشدا و أشهد أن لا الاه الا الله و حده لا شريك له و لا مثيل له و لا ضد و لا ند له و أشهد ان سيدنا و حبيبنا و قرة أعيننا محمدا عبدالله و رسوله طب القلوب و دواؤها و و عافية الأبدان و شفاؤها و نور الأبصار و ضياؤها اللهم صلي و سلم و بارك عليه و على آله الأبرار و صحابته الأخيار

عباد الله موضوعنا اليوم باذن الله حول قصة موسى و السامري

أيها الناس بعد أن أنجى الله موسى و قومه باغراق عدوهم انتهت معركته مع الطاغوت أصبح يواجه معركة أخرى أشد هي المعركة مع النفس البشرية فالاذلال أفسد طبيعة بني إسرائيل وملأ نفوسهم بالجبن و الضعف و الغلضة وليس أفسد للنفس من الخضوع للطغيان و بنو إسرائيل عاشوا مدة طويلة في ظل الوثنية و الذل فأفسد ذلك نفوسهم وانحرفت تصوراتهم و سيواجه موسى تلك الانحرافات حالما يتجاوز بهم البحر قال سبحانه (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم) لقد خرجوا للتو من مصر بمعجزة ظاهرة بينة رأوا في طريقهم قوما يعبدون أصناما وصفها سبحانه بانها لهم زيادة في التشنيع فهم يعبدون ما هو ملك لهم وبدلا من أن يظهر بنو اسرائيل استياء من ذلك ويحمدوا الله أن هداهم للإيمان عاودهم الحنين للشرك و طلبوا من موسى أن يجعل لهم إلها يعبدونه مثل هؤلاء الناس ( قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ) الذل في مصر انساهم علمهم و مجدهم و اندمجوا في حضارة الغالبين لهم لذلك نراهم نسوا كل ما علمهم اياه موسى حتى انهم نسوا معجزة شق البحر التي لم تمر عليها الا أياما ( كما لَهم آلهة ) قالوها مبهورين يحضون بذلك موسى على إجابة طلبهم وكفَى بأي أمة خسّةَ عقول أن تعُد القبيح حسناً وأن تنخلع عن كمالها وتطلب نقائص غيرها و الأغرب من طلبهم توجيهه لموسى وهو رسول رب العالمين لذلك كان رده قويا( قال إنكم قوم تجهلون ) ولم يقل تجهلون ماذا فهو يعني الجهل الكامل المنافي للمعرفة و العقل فما ينبعث مثل هذا القول إلا من الجهالة والحمق وبين موسى عليه السلام لهم بطلان ما يتمنونه و سوء عاقبته ( إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون ) إن ما يرونه من عكوف على الآلهة و من وراءها من كهنة و متنفذين و كل ما يتبع ذلك من انحراف في التصور والحياة باطل نهايته حتما الهلاك والدمار ثم يتساءل موسى في غضب و تعجب ( قال أغير الله أبغيكم إلهاً وهو فضلكم على العالمين ) فضلهم الله على العالمين في زمانهم بان اختارهم لحمل رسالته و نصرهم على عدوهم و أيدهم بالمعجزات وهي فضائِل لم تجتمع لأمة غيرهم يومئذٍ فضلهم الله عن العالمين بما فيهم اولئك الذين يريدون تقليدهم و شأن الفاضل أن لا يقلد المفضول وينهي القرآن هذا المشهد ليبدأ مشهد آخرهو تهيؤ موسى عليه السلام للقاء ربه تعالى (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة ) بنو اسرائيل أثبتوا أنهم لم يصبحوا بعد على استعداد لحمل رسالة الله في الأرض و كان لا بد من شريعة مفصلة يلتزمون بأحسنها فكانت مواعدة الله لموسى لتلقى تلك الشريعة و كان لا بد لموسى من ليالي يتهيأ فيها للموقف العظيم اورد ابن كثير أن الله سبحانه واعد موسى ثلاثين ليلة فصامها فلما تم الميقات استاك بلحاء شجرة فأمره الله تعالى أن يكمل العشرة فبلغت عدتها أربعين ليلة ينعزل فيها موسى عن شواغل الأرض حتى تصفو روحه وتشف وتتقوى عزيمته على مواجهة الموقف المرتقب و الله سبحانه في سابق علمه قدر المناجاة أربعين ليلة ولكنه أبرز الأمر لموسى مفرقاً تيسيراً عليه و ليكون إقبالُه على إتمام الأربعين باشتياق وقوة وقبل صعوده الجبل استخلف موسى على قومه أخاه هارون و أوصاه (وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين) هارون نبي و مع ذلك ينصحه لأن موسى يعرف ما في نفس أخيه من اللين كما انه شديد المعرفة بطبيعة قومه أوصاه أن يهدف بكل اعماله و اقواله الاصلاح و ان لا يكون فاسدا او مفسدا او مخالطا للفاسدين ( وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين ) و في كلام موسى ما يقتضي أن في بني اسرائيل مفسدون و ذهب موسى لمناجاة ربه الا انه تعجّل في مفارقة قَومه اجتهاداً منه فهو عليه السلام لما شرّف بمقام المكالمة و ذاق حلاوتها كان في غاية الشوق إلى المناجاة طامعا في المشاهدة فتعجل صعود الجبل و تم ميقات ربه و وقف في حضرة مولاه مناجيا موقفا تحار فيه الأفكار و آتاه الله الالواح قال سبحانه (وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء ) كان ذلك وهو لا ما أحدث القوم بعده حتى وجه له ربه العتاب قال سبحانه (وما أعجلك عن قومك يا موسى ) قومٌ يُعاتَبون لتأخرهم وآخرون لتقدمهم وشتان بينهما واعتذر موسى بأنهم على أثره في اتباع الهدى و إنما بدر منه التعجيل لطلب مقام الرضا (قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى) عجّل إلى ربه مبالغة في إرضائه لا تضييعا لقومه الا ان تمام رضا الله ان يكون في قومه يوصيهم و يحذرهم مكر المفسدين حتى يحل موعده المضبوط لا تقديم و لا تأخير بعض الناس يرون في الاسراع الى الصلاة مثلا ارضاء لله و لكن في ذلك اخلال بمسألة اكبر هي الخشوع و في قدر الله ان يتعجل موسى ليقضي الله امرا كان مفعولا ( قال فَإنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ ) تعجل موسى كان من آثاره وقوع فتنة في قومه وإسناد الفتنة إلى الله لأنه قدّرها وخلق أسبابها وأمّا سببها المباشر ففي قوله (وأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ) وينتهي موقف المناجاة ليبرز السياق انفعال موسى ومسارعته بالعودة ( فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً )غضبان على قومه بسبب ما فعلوه و أسفا لوقوع ذلك وهو في حضرة ربه فانكسر خاطره بين يديه و قف موسى وسط قومه توجه للجميع بقوله (بئسما خلفتموني من بعدي ) ثم انه عاين العجل فاشتد غضبه لله روي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قوله يرحم الله موسى ليس المعاين كالمخبر أخبره ربه أن قومه فتنوا بعده فلم يلق الألواح فلما رآهم وعاينهم ألقاها و بدأ موسى المحاسبة توجه اولا لقومه لأمته فالأمة عباد الله مسؤولة عما يحدث فيها ( قَالَ يٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي) ألم يعدكم ربكم بالنصر ودخول الأرض المقدسة أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ فماهي الا اربعون يوما عهد قريب لا يحدث فيه مثل هذا نسيان فلم يبق الا انكم متعمدون للعصيان تستجلبون بذلك غضب الله تعالى واذا كان حالكم هذه و انا حي بينكم فما شأنكم بعد موتي كان النبي صلى الله عليه وسلم اذا حدث ما لا يرضاه يقول أذلك وأنا بين ظَهْرانيكم و تصدى لاجابة موسى الكبراء و الصلحاء في بداية كلامهم نزعوا المسؤلية عن اكتافهم و القوها على الظروف ( قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا) أي ليس باختيارنا و ارادتنا و لكن غلبنا على ذلك ثم انطلقوا في رواية ما حدث عادوا الى البداية قبل خروجهم من مصر لما احتالوا على القبط فاستعار كلّ واحد من جاره القبطي حَلياً من ذهب وأخذوها معهم فكان في نفوسهم شعور بالذنب فلما ذهب موسى للقاء ربه استغل السامري ذلك الشعور فنماه بقوله ان ما يحملونه من حلي حرام استغل الخبيث تدينهم و أظهر انه ناصح لهم و أمرهم بالقاء ما في ايديهم من زينة القوم و اظهر انه يبادر كذلك بنفس الفعل فالقى ما في يديه قالوا ( و لكنا حملنا اوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري) و السامريّ ليس من بني اسرائيل و لكنه يعيش بينهم اختلفت الروايات في نسبته و من أطرف ما قيل أن اسمه موسى و أن أمه وضعته في خلاء و ماتت في نفاسها فظل بدون أم ترعاه فكانت الملائكة تتعهده وتربِّيه إلى أن شبَّ و قد قال شاعر في ذلك

اذا لم تصادف في بنيك عناية ** فقد كذب الراجي و خاب المؤمل

فموسى الذي ربته الملائكة كافر *و موسى الذي رباه فرعون مرسل

و قد كان السامري صائغا ماهرا حاد الذكاء قام بأخذ كل ما ألقوه من حلي و صنع منه عجلا مجسدا يشبه العجل ايبيس الذي كان معبودا في مصر و الأغرب أنه يخور أي يصدر صوتا مثل صوت الثور تماما و أخرج لهم ذلك العجل أخرج التعبير بالاخراج فيه اشارة الى انه صنعه بحيلة مستورة عنهم حتى اتمه ثم أخرج لهم و في اخراجه حيل يجهلونها قال سبحانه على لسان القوم ( فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا الهكم و اله موسى فنسي ) عوام بني اسرائيل لما رأوا ما صاغه السامري في صورة معبود عرفوه من قبل ورأوه يزيد عليه بالخوار رسخ في أوهامهم أن ذلك هو الإله الحقيقي صاحوا مصدقين هذا إلهكم وإله موسى و رأى السامري نتيجة فاقت ما تمناه الى درجة انه نسي انه صانع العجل و نسي كل ما تعلمه من موسى فنسي ووصل السامري بذلك الى مجد مزيف أصبح كبير كهنة الرب الجديد بعد ان كان تابعا يخير العجل فيسجد الشعب ثم يواصل المعتذرون الى موسى كلامهم بقولهم ( أفلا يرون الا يرجع اليهم قولا و لا يملك لهم ضرا و لا نفعا ) يريدون افهام موسى انهم على بصيرة من عقيدة التوحيد منكرون عبادة قومهم لعجل من جماد لا يضر و لا ينفع ثم واصلوا حديثهم بالتعرض لما قام به هارون باعتباره نبيا و مسؤولا عنهم في غياب موسى فقالوا( و لقد قال لهم هارون من قبل يا قوم انما فتنتم به و ان ربكم الرحمن فاتبعوني و اطيعوا أمري ) لقد قام هارون بما يستطيعه و لكنه كان لينا فاستضعفه القوم حتى انهم كادوا يقتلونه و مع ذلك نهاهم عما هم فيه و وعظهم من قبل ان يأتي موسى كان خطابه لهم مرتبا زجرهم عن باطلهم بعبادة ما ليس برب بقوله يا قوم انما فتنتم به ثم دعاهم الى معرفة الرب الحق و ان ربكم الرحمن ثمّ دعاهم الى اتباع الرسول إذ كان رسولاً بينهم فاتبعوني ثم دعاهم إلى العمل بالشرائع و اطيعوا امري فما كان منهم إلاّ التصميم باطلهم( قالوا لن برح عليه عاكفين حتى يرجع الينا موسى ) و ينتهي الى هنا اعتذار القوم .

اللهم جنبنا مزالق الفتنة و عواقب الطغيان و ألف بين قلوبنا بمحكم القرآن و اجعل عاقبتنا خيرا في جنات عدن و مغفرة من الله و رضوان هذا واستغفر الله العظيم لي و لكم و لوالدي و والديكم انه هو الغفور الرحيم . و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم

*********************************

الحمدلله رب العالمين و الصلاة و السلام على اشرف المرسلين

عباد الله يواصل موسى المحاسبة بالتوجه الى اخيه هارون المسؤول الأول عن بني اسرائيل في غيبته و نظرا لخطر مركزه كان موسى عنيفا معه ( و أخذ برأس أخيه يجره اليه ) تصوروا شدة غضبه مما حصل هو يعلم أن هارون لم يعبد العجل فهو رسول معصوم و لكنه انكر عليه وهو النبي المرسل ان يبقى بين عبدة الصنم بعد ان عجز عن منعهم من ذلك فما الذي يمنعه من مفارقتهم و اللحاق به الا ان يكون مستبطنا للعصيان ( قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري) هارون كان لينا و لكنه أملك لانفعالاته من موسى لذلك نجد كثيرا من الحكمة في كلامه رغم الموقف الذي هو فيه قال يا ابن أم و لم يقل يا أخي يلمس بذلك نقطة حساسة في مشاعر موسى فكأنه يشتشفع بأمه ترقيقا لأخيه ليترك لحيته و رأسه ثم اعتذر بقوله ( إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي ) خشي أن يحمله موسى تبعة الفرقة التي قد تقع إذا أظهر غضبه عليهم فسيتبعه الثابتون على الإيمان ويخالفهم البقية و ربما يصل الامر الى التقاتل فرأى من المصلحة أن يسكت وهذا اجتهاد منه اذ تعارضت عنده مصلحتان حفظ العقيدة و حفظ وحدة بني اسرائيل فرجّح الثانية لأنه رآها أدوم فحفظ العقيدة يُستدرك فواتُه الوقتيُّ برجوع موسى حيث قالوا انهم سيظلون عاكفين عليه حتى يرجع موسى بخلاف مصلحة حفظ الأنفس واجتماع الكلمة إذا انثلم عسر تداركه اجتهاد له وجاهته رآه نبي و لكنه مرجوح عند موسى الذي يرى أن حفظ التوحيد أهم من حفظ غيره هذا بعض ما اعتذر به هارون بعد ذلك اتجه موسى الى السامري ولم يتوجه اليه من البداية لأن ذنبه و ان كبر ليس الأهم فهو لم يفتنهم بالقوة ولم يضرب على عقولهم فالتبعة على القوم أولاً وعلى راعيهم ثانيا أما دور السامري فهو كدور ابليس أغواهم فغووا (قال فما خطبك يا سامري ) ما هذه المصيبة التي اصبت بها القوم و ما غرضك مما فعلت ( قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي ) ذهب جمهور المفسرين في تفسير قول السامري بأن الله فتنه فأراه جبريل راكباً فرساً وكلما وطىءَ حافر الفرس مكاناً اخضر بالنبات فعلم السامري أن أثر جبريل إذا ألقي في جماد صار حياً فأخذ قَبضة من ذلك التراب ألقاها في المادة التي صنع منها العجل فصار جسداً له خوار و أول مفسرون آخرون كلامه تأويلا آخر و في النهاية ما هو الا قول السامري يتملص به و لم يعلق عليه موسى الذي توجه مباشرة الى اصدار حكمه على السامري حكم عادل في حقير مثله أن يذهب غير معبوء به و ترك له عليه السلام حرية ان يقول ما يشاء في حياته دون ان تكون له سلطة او قدرة على أي فعل فلا يمس أحدا أو شيئا و لا يمسه احد و في الروايات انه أصيب بمرض منع الناس من ملامسته او القرب منه حتى يلقى الله بفعلته ( قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس و ان لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلـهك الذي ظلت عليه عاكفاً لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفاً ) و بنفس القوة حكم بأن يحرق ما ادعى السامري انه الاه بالنار حتى يصهر ثم يفتت ثم يذرى في ماء البحر و ان يشاهد السامري ذلك فيرى بالمحسوس الاهه المزعوم الذي عكف على عبادته ينسف في اليم نسفا و في الأخير ينهي موسى الموضوع بالاعراض عن السامري احتقارا له و يلتفت الى أمته معلما الإله الحق هو الواحد الذي لا اله الا هو العالم الذي وسع علمه كل شيء المطلع على خفايا النفوس فليخشوه و ليراقبوه قال ( إنما إلـهكم الله الذي لا إلـه إلا هو وسع كل شيء علماً )

هذا و صلوا على الرحمة المهداة و النعمة المسداة محمد بن عبدالله اللهم صلي و سلم عليه ما تلاحمت الغيوم و تعاقبت النجوم و ارض اللهم عن الخلفاء الراشدين و الصحابة و التابعين و من تبعهم باحسان الى يوم الدين

اللهم انا نسألك ان تبرم لهذه الأمة امر رشد يعز فيه أهل طاعتك و يذل فيه أهل معصيتك و يؤمر فيه بالمعروف و ينهى عن المنكر .

اللهم اعنا على ذكرك و شكرك وحسن عبادتك

اللهم تقبل توبتنا و أجب دعوتنا واهد قلوبنا و سدد ألسنتنا و اهدنا ويسر لنا الهدى و اجعلنا من الشاكرين

اللهم أغثنا غيثا مغيثاً هنيئاً مريئاً غدقاً عاجلا غير آجل شاملاً لجميع البلاد اللهم أغثنا غيثا مباركاً تحيي به البلاد وترحم به العباد وتجعله بلاغاً للحاضر والباد اللهم جدبت المراعي و اغبرت الأراضي فارحم اللهم أنين الآنة و حنين الحانة بغيث ينبت الزرع و يدر الضرع اللهم أنزل علينا من بركات السماء وأخرج لنا من بركات الأرض اللهم وسع أرزاقنا ويسر أقواتنا واجعل ما رزقتنا قوة لنا على طاعتك ومتاعا إلى حين اللهم إنا عبيدك فقراء إلى رحمتك خائفون من عذابك فارحمنا برحمتك ونجنا من عذابك ولا تؤاخذنا بما فعلنا فإنك أهل العفو والإحسان

اللهم ان عبادك في فلسطين يشكون عدوا قاهرا و جدارا عازلا فوسع اللهم ارزقهم و اكبت عدوهم يا ارحم الراحمين

اللهم اعز الاسلام و المسلمين و اذل الشرك و المشركين و اجعل هذا البلد آمنا مطمئنا و سائر بلاد المسلمين ان الله يامر بالعدل و الاحسان و ايتاء ذي القربى و ينهى عن الفحشاء و المنكر و البغي يعظكم لعلكم تذكرون اذكروا الله يذكركم و اشكروه على نعمه يزدكم فمن جعل الحمد خاتمة النعمة جعل الله حمده فاتحة المزيد

جميع الحقوق محفوظة © الماسة