النفس المتسامحة.. عطــــاء بلا حدود

الماسة

النفس المؤمنة المتسامحة من أصفى النفوس وأسعدها، تحمل روحاً محبة للخير، تبذل الإحسان للخلق، بين جوانحها قلبٌ يحب السعادة للآخرين، ويرجو الخير لكل المسلمين، يتألم لآلام إخوانه، ويسعد بفرحهم، ويرجو التوفيق للجميع، يتبسم في وجوه الخلق، لا يبخل عليهم بماله ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، يحنو على اليتيم، ويخاف الله في الأرملة والمسكين، وعد الله جلَّ وعلا صاحب هذه النفس أن يكون من أهل الجنة، فقال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن رب العزة جلَّ شأنه في الحديث القدسي، عن عياض ابن حمار المجاشعي - رضي الله عنه - قال: “وَأَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلاَثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ” [مسلم 2865].

فما أعظمها نفس تسعى في منافع الناس، يفرح عندما يوسع الله على إخوانه، ويسعد عندما تمتد يده بالعطاء، ويهنأ عندما يطعم مسكيناً، أو يكسو فقيراً، يبذل الإحسان لا يرجو بذلك إلا وجه الله، مستحضراً قوله تعالى: {إنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً} [الإنسان: 9]. وهذه النفس هي التي يُقابَل صاحبها بالإحسان يوم القيامة، فـ {هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إلاَّ الإحْسَانُ} [الرحمن: 60]، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بشيء من ذلك، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ، وَكَانَ مُوسِراً، فَكَانَ يَأْمُرُ غِلْمَانَهُ أَنْ يَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُعْسِرِ، قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ، تَجَاوَزُوا عَنْهُ» [متفق عليه].

أعظم مثال للتسامح البشري:

يحلو لكثير من المنهزمين نفسيّاً أن ينظر لبعض الحكم المنقولة عن النصارى ويذكر مواعظهم في العفو، رغبةً في وجود تلك النفسية المتسامحة، التي يظنون أنهم تفردوا بها، وتميزوا عن غيرهم، وهذا ليس بصحيح؛ فهم لم يقرؤوا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعرفوه، ولو عرفوه لعلموا عظيم تسامحه، وصفاء نفسه صلى الله عليه وسلم.

فها هو عبد الله بن أبي رأس النفاق، يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم، فينخذل عنه بثلث الجيش يوم أحد ويرجع بهم إلى المدينة، ويرمي أم المؤمنين عائشة بالفاحشة، حتى قال: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون: 8]، ومع كل هذا الإيذاء والعداء الظاهر والخفي، رفض قتله، وقال صلى الله عليه وسلم: (دَعْهُ! لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّداً يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ) [متفق عليه].

بل العجب في تسامح النبي صلى الله عليه وسلم عند موته، فقد بذل ثوبه ليكون كفناً له، وصلى عليه، واستغفر له، ونزل قبره وهو من ناصبه العداء، فعَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ لَمَّا تُوُفِّيَ جَاءَ ابْنُهُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ، وَصَلِّ عَلَيْهِ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَمِيصَهُ، فَقَالَ: آذِنِّي أُصَلِّي عَلَيْهِ، فَآذَنَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: أَلَيْسَ اللَّهُ نَهَاكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، فَقَالَ: أَنَا بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ قَالَ {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}[التوبة: 80] فَصَلَّى عَلَيْهِ فَنَزَلَتْ {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة: 84] [البخاري 1269].

وإن الإنسان ليتملكه العجب، وتأخذه الدهشة من هذا التسامح العجيب، ونسيان الإساءة، وبذل الخير، عند من لا يستحقون إلا الجفاء والمقاطعة، بل وما هو أشد من ذلك!!

وشيء آخر من تسامحه صلى الله عليه وسلم، ونفسه المحبة للناس وهدايتهم، فقد كان الصحابي مخرمة رجلاً في خُلقه شدة، ولا يريد النبي صلى الله عليه وسلم أن يغضبه، بل يعامله بشيء فيه عطف وحنو بالغ، وكان رجلاً كفيف البصر، سمع بقدوم أثواب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف عامله النبي صلى الله عليه وسلم وكيف أرضاه، وهذا ليس بواجب عليه، بل يعلمنا كيف تكون النفس المتسامحة وكيف تعطي الجميع وبلا حدود، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أُهْدِيَتْ لَهُ أَقْبِيَةٌ مِنْ دِيبَاجٍ مُزَرَّرَةٌ بِالذَّهَبِ، فَقَسَمَهَا فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَعَزَلَ مِنْهَا وَاحِداً لِمَخْرَمَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، فَجَاءَ وَمَعَهُ ابْنُهُ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ، فَقَامَ عَلَى الْبَاب فَقَالَ: ادْعُهُ لِي، فَسَمِعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم صَوْتَهُ، فَأَخَذَ قَبَاءً فَتَلَقَّاهُ بِهِ، وَاسْتَقْبَلَهُ بِأَزْرَارِهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا الْمِسْوَرِ خَبَأْتُ هَذَا لَكَ! يَا أَبَا الْمِسْوَرِ خَبَأْتُ هَذَا لَكَ، وَكَانَ فِي خُلُقِهِ شِدَّةٌ. [البخاري 3127] وفي بعض الروايات صار يعرض عليه محاسن هذا الثوب، حتى رضي مخرمة، وكل هذا ليس بفرض ولا واجب، ولكنها النفس العظيمة، المحبة لهداية الخلق، الرحيمة بهم صلى الله عليه وسلم.

وعن سَهْل بْن سَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ بِبُرْدَةٍ، -قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ؟ فَقِيلَ لَهُ: نَعَمْ، هِيَ الشَّمْلَةُ مَنْسُوجٌ فِي حَاشِيَتِهَا- قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي نَسَجْتُ هَذِهِ بِيَدِي أَكْسُوكَهَا، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُحْتَاجاً إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا، وَإِنَّهَا إِزَارُهُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اكْسُنِيهَا. فَقَالَ: نَعَمْ، فَجَلَسَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَجْلِسِ، ثُمَّ رَجَعَ فَطَوَاهَا، ثُمَّ أَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ! سَأَلْتَهَا إِيَّاهُ، لَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ سَائِلاً، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلَّا لِتَكُونَ كَفَنِي يَوْمَ أَمُوتُ، قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ” [البخاري 2093] فهذا مثال رائع للنفس الكريمة المحبة للآخرين، تعطي الثوب للغير وهي محتاجة إليه، وفي هذا الحديث منهجه أنه كان صلى الله عليه وسلم لا يرد سائلاً، نفس عظيمة ما أروعها!.

موقف الإمام أحمد ممن آذوه:

وعلى خطى النبي صلى الله عليه وسلم مضى الصحابة والتابعون يسامحون ويعفون ويحسنون، وممَّن سار على هديهم في التسامح: الإمام المبجل أحمد بن محمد بن حنبل - رحمه الله - فقد سامح مَنْ آذوه في المحنة، قال الإمام الذهبي - رحمه الله - في مناقب الإمام أحمد: (وعن عبد الله بن أحمد قال: وسمعت أبي يقول: لقد جعلت الميتَ في حلٍّ مِنْ ضربه إياي.. ثم قال: وما على رجل ألَّا يُعذب الله بسببه أحداً). [سير أعلام النبلاء 11/257].

وكان يقول: (كل من ذكرني ففي حلٍّ إلا مبتدعاً –يعني ابن أبي دواد-، وقد جعلت أبا إسحاق - يعني: المعتصم - في حلٍّ.. ثم قال أبو عبد الله: وما ينفعك أن يُعذب الله أخاك المسلم في سببك). [سير أعلام النبلاء 11/261].

وقال له إسحاق بن إبراهيم: اجعلني في حلٍّ من حضوري ضربك. فقلت: قد جعلت كل من حضرني في حلٍّ. [سير أعلام النبلاء 11/266].

ولما أمر الواثق بقطع قيود الإمام أحمد، فلما قطع، ضرب بيده إلى القيد ليأخذه، فجاذبه الحداد عليه، فقال الواثق: لمَ أخذته ؟ قال: لأني نويت أن أوصي أن يُجعل في كفني حتى أخاصم به هذا الظالم غداً. وبكى، فبكى الواثق وبكينا. ثم سأله الواثق أن يجعله في حلّ، فقال: لقد جعلتك في حل وسعة من أول يوم إكراماً لرسول الله، صلى الله عليه وسلم؛ لكونك من أهله.

فقال له: أقم قبلنا فننتفع بك، وتنتفع بنا، قال: إن ردك إياي إلى موضعي أنفع لك، أصير إلى أهلي وولدي، فأكفّ دعاءهم عليك، فقد خلفتهم على ذلك، قال: فتقبل منا صلة؟ قال: لا تحل لي، أنا عنها غني. [سير أعلام النبلاء 11/ 315]. رحم الله هذا الإمام الكبير، فما أعظم نفسه المتسامحة!

موقف ابن تيمية مع خصومه:

عاش ابن تيمية –رحمه الله- يحمل النفس المتسامحة، ولذلك كان يشعر بالطمأنينة والسعادة، مع ما كان يعيش فيه من صعوبات كثيرة، يقول تلميذه ابن القيم -رحمه الله-: «وعلم الله ما رأيت أحداً أطيب عيشاً منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم، بل ضدهما، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشاً، وأشرحهم صدراً وأقواهم قلباً، وأسرهم نفساً، تلوح نضرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كله وينقلب انشراحاً وقوة ويقيناً وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فأتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها».

ويضيف ابن القيم - رحمه الله -: «وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة. وقال لي مرة: ما يصنع بي أعدائي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة، وكان يقول في محبسه الأخير في القلعة: لو بذلت ملء هذه القلعة ذهباً ما عدل عندي شكري هذه النعمة. أو قال ما جزيتهم عني ما تسببوا لي فيه من الخير، ونحو هذا. وكان يقول في سجوده وهو محبوس: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» ما شاء الله، وقال لي مرة: «المحبوس من حُبس قلبه من ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه». ولما أُدخل إلى سجن القلعة، وصار داخل السور نظر إليه، وقال: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} [الحديد: 31].

قال ابن القيم - رحمه الله -: وحدثني بعض أقارب شيخ الإسلام - رحمه الله - قال: كان في بداية أمره يخرج أحياناً إلى الصحراء يخلو عن الناس لقوة ما يرد عليه، فتبعته يوماً فلما أصحر تنفس الصعداء، ثم جعل يتمثل بقول الشاعر، وهو لمجنون ليلى في قصيدته الطويلة:

وأَخْرُجُ مِن بينِ البيوتِ لَعَلَّنِي

أُحَدِّثُ عَنْك النفسَ بالسرِّ خالياً

[الوابل الصيب ص 93 و94].

وقد وضع ابن تيمية قاعدة للتسامح في حياته السلوكية والعملية، تتلخص هذه القاعدة في قوله: (أحللت كل مسلم عن إيذائه لي) وتفصيلها ما جاء في مجموع الفتاوى قال: (فَلَا أُحِبُّ أَنْ يُنْتَصَرَ مِنْ أَحَدٍ بِسَبَبِ كَذِبِهِ عَلَيَّ أَوْ ظُلْمِهِ وَعُدْوَانِهِ؛ فَإِنِّي قَدْ أَحْلَلْت كُلَّ مُسْلِمٍ، وَأَنَا أُحِبُّ الْخَيْرَ لِكُلِّ الْمُسْلِمِينَ، وَأُرِيدُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ الْخَيْرِ مَا أُحِبُّهُ لِنَفْسِي، وَاَلَّذِينَ كَذَبُوا وَظَلَمُوا فَهُمْ فِي حِلٍّ مِنْ جِهَتِي) [مجموع الفتاوى 28/ 55].

أمثلة من تسامح شيخ الإسلام ابن تيمية:

1- كان الشيخ الصوفي البكري من أشد الصوفية على شيخ الإسلام ابن تيمية، ففي محنة الشيخ مع الصوفية سنة 707هـ حول قضية الاستغاثة طالب بعضهم بتعزير شيخ الإسلام، إلا أن الشيخ البكري طالب بقتله وسفك دمه!

وفي سنة 711هـ تجمهر بعض الغوغاء من الصوفية بزعامة الشيخ البكري وتابعوا شيخ الإسلام ابن تيمية حتى تفردوا به وضربوه، وفي حادثة أخرى تفرد البكري بابن تيمية ووثب عليه ونتش أطواقه وطيلسانه، وبالغ في إيذاء ابن تيمية!

وحينما تجمع الجند والناس على ابن تيمية يطالبون بنصرته، وأن يشير عليهم بما يراه مناسباً للانتقام من خصمه البكري الصوفي؛ أجابهم شيخ الإسلام بما يلي: (أنا لا أنتصر لنفسي)!!

ولما اشتد طلب الدولة للبكري وضاقت عليه الأرض بما رحبت هرب واختفى في بيت ابن تيمية وعند شيخ الإسلام لما كان مقيماً في مصر، حتى شفع فيه ابن تيمية عند السلطان وعفا عنه!! [العقود الدرية 1/305].

فهذا مثال من تسامح هذا الإنسان العظيم، فالبكري قابله بالظلم والتكفير والاعتداء والعدوان والبهتان، وابن تيمية قابله بالعفو والإحسان والكرم، إن في ذلك آية عظيمة لكل منصف سليم القلب.

2- ومرة أخرى يجتمع على شيخ الإسلام بعض الفقهاء والقضاة بمصر والشام، وحملوا عليه حملة سيئة، فأفحم الجميع بالحق، وألزمهم الحجج، فلما أفلسوا وشوا به إلى الحكام. وبعد أن وشى به بعض العلماء وكذبوا عليه وألّبوا الحكام والأمراء عليه وتزلفوا لدى الكبراء في ابن تيمية؛ سُجن وعذب، وتولى كِبر ذلك الجُرم الشيخ الصوفي نصر المنبجي، والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير تلميذ المنبجي، وجماعة من الفقهاء والعلماء، الذين ناصروا الحاكم بيبرس في انقلابه ضد السلطان ناصر ابن قلاوون.

ولكن شاء الله أن تزول إمارة بيبرس ويضم السلطان ناصر ابن قلاوون دمشق ومصر إلى حكمه، ولم يكن همّ السلطان إلا الإفراج عن شيخ الإسلام المسجون ظلماً وزوراً. فأخرجه معززاً مكرماً مبجلاً، ويصل الشيخ إلى البلاط الملكي فيقوم له السلطان تكريماً واحتراماً ويضع يده بيد ابن تيمية ويدخلان على كبار علماء مصر والشام...!

ويختلي السلطان ناصر قلاوون بشيخ الإسلام ابن تيمية ويحدثه عن رغبته في قتل بعض العلماء والقضاة بسبب ما عملوه ضد السلطان، وما أخرجه بعضهم من فتاوى بعزل السلطان ومبايعة بيبرس، وأخذ السلطان يحث ابن تيمية على إصدار فتوى بجواز قتل هؤلاء العلماء، ويذكره بأن هؤلاء العلماء هم الذين سجنوه وظلموه واضطهدوه، وأنها حانت الساعة للانتقام منهم! وأصرَّ السلطان ناصر بن قلاوون على طلبه من شيخ الإسلام كي يخرج فتاوى في جواز قتلهم!

فقام ابن تيمية بتعظيم هؤلاء العلماء والقضاة، وأنكر أن يُنال أحد منهم بسوء، وأخذ يمدحهم ويثني عليهم أمام السلطان وشفع لهم بالعفو والصفح عنهم ومنعه من قتلهم، فقال للسلطان : (إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم من العلماء الأفاضل!) فيرد عليه السلطان متعجبا متحيراً: لكنهم آذوك وأرادوا قتلك مراراً ؟! فقال ابن تيمية: من آذاني فهو في حل، ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه، وأنا لا أنتصر لنفسي! وما زال ابن تيمية بالسلطان يقنعه أن يعفو عنهم ويصفح، حتى استجاب له السلطان فأصدر عفوه عنهم وخلَّى سبيلهم!! [موقف ابن تيمية من الأشاعرة: 1/160].

3- لقد شهد له كبير خصومه ومن الذين هاجموه وآذوه، شهد له بعد عمله التسامحي الفريد الذي عمله معهم في أثناء غضب السلطان ناصر بن قلاوون عليهم، لقد كان قاضي المالكية القاضي ابن مخلوف أحدهم ولما أفرج عنه قال عن ابن تيمية: (ما رأيت كريماً واسع الصدر مثل ابن تيمية، فقد أثرنا الدولة ضده، ولكنه عفا عنا بعد المقدرة، حتى دافع عن أنفسنا وقام بحمايتنا، حرضنا عليه فلم نقدر عليه، وقدر علينا فصفح عنا وحاجج عنا)... هذا هو ابن تيمية، هذه هي أخلاقه مع خصومه! [شيخ الإسلام ابن تيمية لأحمد فريد 1/17].

4- ولم يكتف شيخ الإسلام بالإحسان إلى خصومه في حياتهم بل بعد مماتهم، يقول ابن القيم: (وما رأيت أحداً قط أجمع لهذه الخصال –يعني خصال الفتوة- من شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- وكان بعض أصحابه الأكابر يقول: وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه. وما رأيته يدعو على أحد منهم قط، وكان يدعو لهم. وجئت يوماً مبشراً له بموت أكبر أعدائه وأشدهم عداوة وأذى له، فنهرني وتنكر لي واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم، وقال: إني لكم مكانه ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه، ونحو هذا الكلام فسروا به، ودعوا له، وعظموا هذه الحال منه - رحمه الله -) [مدارج السالكين جـ2/345].

وسبحان الله، من هذا التسامح وهذا العطاء والإحسان، يقول ابن تيمية معبراً عن نفسيته المتسامحة: (وأنا والله من أعظم الناس معاونة على إطفاء كل شر فيها وفي غيرها، وإقامة كل خير، وابن مخلوف لو عمل مهما عمل والله ما أقدر على خير إلا وأعمله له، ولا أعين عليه عدوه قط، ولا حول ولا قوة إلا بالله، هذه نيتي وعزيمتي، مع علمي بجميع الأمور فإني أعلم أن الشيطان ينزغ بين المؤمنين، ولن أكون عوناً للشيطان على إخواني المسلمين) [مجموع الفتاوى 3/271].

إن التسامح عندما يستحكم في النفس تعتاد الإحسان في كل الأمور، في العبادات والمعاملات، في صغائر الأمور وعظائمها، فيحسن المرء في عبادة ربه، ومعاملة خلق الله، فيحسن إلى الوالدين، والزوجة والبنات، والإخوة والأخوات، والجيران والأصدقاء، بل قد يصل به الإحسان إلى من يبغضه، فيقابل إساءته بالإحسان، ويمتد الإحسان ليشمــل الحـــيوان والنبات فـ (في كل ذي كبد رطبة أجر) [متفق عليه]، وهذه مرتبة عظيمة في دين الله. نسأل الله أن يرزقنا التسامح والإحسان في أعمالنا وأخلاقنا، والإخلاصَ في الأقوال والأعمال، إنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين.

الإسلاميون وإدارة التعددية

الماسة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله:

قال - تعالى -: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46] قال ابن جرير الطبري في تفسير الآية: «ولا تختلفوا فتفرقوا وتختلف قلوبكم {فَتَفْشَلُوا} فتضعفوا وتجبنوا، {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} وتذهب قوتكم وبأسكم، فتضعفوا ويدخلكم الوهن والخلل»..

وعن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعت رجلاً قرأ آية، وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ خلافها، فجئت به النبي صلى الله عليه وسلم  فأخبرته، فعرفت في وجهه الكراهية، وقال: «كلاكما محسن، ولا تختلفوا؛ فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا».. رواه البخاري..

الفشل، الوهن، الخلل، الهلاك.. إنها الكلمات التي تصف حال الاختلاف عندما تنتشر في أوساط المسلمين وبين صفوفهم، إنها تلك الحال التي قلَّ أن ينجو منها مجتمعٌ مسلم في أي بقعة من بقاع الأرض {وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} [هود: 118]، إنها تلك الآفة التي لم يسلم منها حتى التيارات الإسلامية التي ترفع شعار الدعوة إلى الله وتطبيق شريعته وتحكيم دينه في الأرض..

إن نماذج الحكم التي قدَّمها الإسلاميون في العقود الماضية، تعدُّ على أصابع اليد الواحدة، لكن محاولات الوصول إلى الحكم يصعب حصرها لكثرتها، وهذا يعني أن نسبة الإخفاق مرتفعة للغاية، بل تكاد تصبح هي الأصل..

فما أسباب الإخفاق؟

ماذا حدث في أفغانستان بعد تحرير كابل من الاحتلال السوفيتي؟ وماذا حدث في الجزائر عندما انقلب الجيش على نتائج الانتخابات التي أظهرت فوز الجبهة؟ وماذا حدث في السودان، عندما تصارع شريكا الحكم فيما بينهما من ناحية، ومع بقية التيارات الإسلامية من ناحية أخرى؟ ماذا حدث في العراق في مرحلة ما بعد الاحتلال؟

إن المتأمل في النماذج الإسلامية المعاصرة للوصول إلى الحكم يمكن أن يلحظ عدة أنماط ثابتة متكررة في أغلب النماذج، وأهمها:

تعدد التيارات الإسلامية المشاركة في محاولة الوصول للحكم.

عجز كثير من التيارات عن صياغة رؤية متوازنة لبناء علاقات إيجابية فيما بينها لتحقيق الأهداف المشتركة.

سبب الإخفاق الأكثر تكراراً هو تصاعد الخلاف بين الإسلاميين وصولاً إلى مستوى الصراع، وربما القتال في بعض الأحيان.

لا شك أنه توجد أسباب كثيرة حالت بين الإسلاميين ونجاحهم في الوصول إلى الحكم في أغلب الدول الإسلامية، لكن السبب الأكثر إلحاحاً هو «الخلافات بين الإسلاميين»، وربما يعضد هذا التوجه أن التجربة الأكثر نجاحاً هي تجربة حزب العدالة التركي، وأبرز ما يميز الساحة التركية، هو خلوها من منافس إسلامي سياسي حقيقي لحزب العدالة، فهل نقول إن التعدد هو سر الإخفاق؟ أم إن الخلافات الناجمة عن التعدد هي الخطر الأكبر؟..

لا نريد الاستغراق في قضية افتراضية بعيدة عن الواقع، فالأصل في أغلب الدول الإسلامية هو تعدد التيارات الإسلامية السياسية، وهذا يجعلنا بحاجة للتركيز على قضية «إدارة التعدد بين الإسلاميين»، إذ يكشف البحث المتأني عن وجود خلل كبير في التعامل مع هذه الحقيقة الواقعية، سواء أكان في مجال العمل الدعوي المباشر، أم في المجال السياسي..

ولعل الملاحظة الأكثر أهمية في هذا المجال، هي أن مناهج التغيير التي صاغتها التيارات الإسلامية، بُنِي أغلبها على افتراض أن منهج كل منها هو المنهج الحق، وأن تحقق الأهداف الإسلامية الكبرى إنما يكون عن طريق هذا المنهج وحده، وبالتالي ينطلق كل تيار من قاعدة أن التطور الإيجابي للمشهد هو أن كافة التيارات الأخرى تتحول إلى منهجه؛ لذا لم تعبأ أكثر التيارات بقضية إدارة التعدد، أو بوضع تصورات للتعاون والتنسيق مع التيارات الأخرى لتحقيق الأهداف المشتركة..

وفي مصر، ساهمت ثورة 25 يناير في ازدحام الساحة السياسية بالمزيد من القوى الإسلامية التي أسست أحزاباً وسعت للمشاركة بقوة في العملية السياسية، وأدى ذلك إلى تعدد الاجتهادات والمواقف السياسية، ومع تعقد المشهد السياسي وتسارعه، فقدَ الإسلاميون القدرة على إدارة التعدد فيما بينهم في اتجاه التعاون؛ لكنهم حافظوا على الحد الأدنى من العلاقة وهو: الحيلولة دون بلوغ مستوى الصدام المباشر، مع وجود جهود تنسيقية في قضايا تفصيلية بعيدة عن السياق العام..

وقد أدى إقبال السلفيين على العمل السياسي عن طريق تأسيس الأحزاب والمشاركة في الانتخابات، إلى ترسخ «الذاتية» لدى التيارات الإسلامية كانعكاس لنشأة الأجنحة السياسية، إذ يهدف الحزب السياسي- بطبيعته - إلى تحقيق رؤيته السياسية عن طريق السعي للوصول إلى الحكم منفرداً في المقام الأول، فإذا عجز عن بلوغه منفرداً، تحالف مع أحزاب أخرى، قد لا تكون إسلامية بالضرورة..

إذن يمكن تلمح النمطين الأول والثاني في الحال المصرية، فهناك تعدد للتيارات الإسلامية، وكذا يوجد قصور في إدارة هذا التعدد، ولو استمرت هذه الحال على نفس المنوال، سيكون عليها أن تصطدم بالنمط الثالث وهو: إخفاق التجربة بسبب الخلافات»...

ما يفاقم من خطورة الوضع هنا، أن الأحزاب الإسلامية، وتحديداً حزبي «الحرية والعدالة» و «النور»، تمكنا من تحقيق أغلبية برلمانية بنسبة 70%، وهذا يعني أنهما الكتلة السياسية الأولى في مصر، بمعنى أن النجاح أو الإخفاق الذي يبدر منهما على صعيد إدارة العلاقة بينهما، ينعكس بصورة مباشرة على مسار الثورة المصرية..

نقول: إن إدارة العلاقة بين الإسلاميين- الإخوان والسلفيين- في مصر لا تتعلق فقط بالمشروع الإسلامي، بل بالثورة نفسها، وبكل تداعياتها الداخلية والخارجية، ولا يخفى أن كثيراً من الأقلام العلمانية شرعت منذ فترة في اتهام التيارين بالتسبب في تراجع مسار الثورة وتقلص المكاسب السياسية..

وإذا كان اختيار مرشح الرئاسة الأحق بالدعم، كان آخر محطات الخلاف بين الإخوان والسلفيين، فإن قطار الخلاف السلفي- السلفي، ما يزال سائراً في طريقه أيضاً، فعلى الرغم من مرور نحو 16 شهراً على نجاح الثورة، فإن الداخل السلفي ما يزال متفرقاً، وما يزال العقد منفرطاً بين تيارات ومجموعات كثيرة تحمل أفكاراً متباينة حول الواقع وطرق التعامل معه، وهذه المجموعات متجددة ومتمددة، وتستقل بآلياتها في تكوين الرؤى والتصورات، وفي اتخاذ القرارات والتحركات، وفي غالب الأحيان تحتفظ بعلاقات متوترة مع الكيانات الإسلامية الكبيرة، بل أحيانا تكون نشأتها على قاعدة الخلاف مع تلك الكيانات، والمؤسف أن بعض هذه المجموعات تتبنى تصوراً هادماً للتيارين الأكبر على الساحة..

وعلى الجانب المقابل، فإن الإستراتيجية التي تتعامل بها الكيانات الكبيرة مع هذه المجموعات يشوبها القصور الشديد، فهي ليست احتوائية، بل ربما كانت إقصائية في بعض جوانبها، كما أنها لا تراعي وجود قطاعات واسعة من الإسلاميين خارج الأطر التنظيمية للتيارين، وهذه القطاعات تتحول مع الوقت إلى مراكز جذب لمنتمين جدد، ممَّا يفاقم من الأزمة..

إن وضعا شائكاً بهذه الصورة، يسمح لخصوم الإسلاميين بتمرير العديد من المؤامرات والمخططات الرامية لإبعادهم عن الساحة، إذ تسمح لهم هذه الوضعية بالاختراق والتحريك والمناورة والاحتواء... إلخ وفي النهاية ينعكس ذلك كله على شعبية الإسلاميين في الشارع الذي لا يملك القدرة على التفرقة والتمييز بين هذه التنوعات الإسلامية الكثيرة، وبالتالي ينعكس أخطاء بعضهم على كلهم، ويخسر الجميع...

إن خطورة الأزمة وإن كانت تتجلى أكثر مع التفريعات الصغيرة في الخارطة الإسلامية، إلا أن علاج هذه الحال السلبية يبدأ من القمة، حيث العلماء الثقات، والقيادات الإسلامية البارزة، والكيانات الكبيرة، فهم الذين يملكون القدرة على اتخاذ القرارات الصعبة، وهم القادرون على تذليل الصعوبات في طريق لملمة الشمل، وبأيديهم إمكانية المبادرة واتخاذ الخطوة الأولى..

وكلهم مدعو إلى الترويج لثقافة التنازل بين الإسلاميين، امتثالاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تطاوعا ولا تختلفا». ولا نقصد التنازل عن الثوابت المنهجية، بل نعني التنازل عن المواقف والاجتهادات السياسية والمكاسب التكتيكية، ولو تعامل الجميع انطلاقاً من هذه الثقافة، فقدم كل طرف تنازلاً جزئياً من جانبه، لاقتربت المسافات وتعانقت الرؤى، ورب خلاف يستعر ولا يهمد، يزول ويتلاشى مع تقديم تنازلات يسيرة جداً.

لقد بلغت الثورة المصرية عنق الزجاجة، فإن تضخمت الخلافات الإسلامية فلن تمر الثورة، ولن تكون نتيجة عملية التحول السياسي إيجابية، للإسلاميين أو لبقية القوى السياسية على حدٍّ سواء.

إن التاريخ يُكتب الآن في مصر، وبين أيدينا تجارب الآخرين ترفع راية النذير، وليس الحل بأن يقدم كل طرف مقاربات نظرية عن دوره في توحيد الصف، ثم تنتهي المقاربة بالكلمة المكررة «ولكن..»، فتُلقى التهمة على «الآخرين» الذين أحبطوا جهود التقريب وليس علينا «نحن»..

إن مثل هذه المقاربات لا تنفع ولا تشفع إذا ما خسرت الثورة وتراجعت التجربة، ولنتذكر قوله - سبحانه وتعالى - في كتابه الكريم {أَوَ لَـمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ} [آل عمران: 165]، قال الطبري في التفسير: «قل لهم: أصابكم هذا الذي أصابكم من عند أنفسكم، بخلافكم أمري وترككم طاعتي»..

وروى الطبري عن الحسن في قوله - تعالى -: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَـجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ 118إلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود:118-119]، قال: «وأما أهل رحمة الله فإنهم لا يختلفون اختلافاً يضرهم».

فلا يمكن بحال أن ننفي مسؤولية كل فصيل وكل تيار وكل مجموعة إسلامية عن الفرقة الحاصلة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: «وهذا التفريق الذي حصل من الأمة علمائها ومشايخها، وأمرائها وكبرائها هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليها. وذلك بتركهم العمل بطاعة الله ورسوله كما قال تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [المائدة: 14]، فمتى ترك الناس بعض ما أمرهم الله به وقعت بينهم العداوة والبغضاء، وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا، وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا؛ فإن الجماعة رحمة، والفرقة عذاب».. ( مجموع الفتاوى، 3/421).

دلالة تَرْك النبي صلى الله عليه وسلم للشيء قَصْدًا على المنع منه وتحريم البدع والمُحْدَثات في الدِّين

عليه الصلاة والسلام

الحمدُ لله رَبِّ العالمين، «حمدًا كثيرًا طَيِّبًا مباركًا فيه»، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، صَلِّ اللهمَّ وسَلِّم وبَارِكْ عليه صلى الله عليه وسلم، وارْضَ اللهمَّ عَنْ آلِه وصَحْبِه الغُرِّ الميامين رضوان الله عليهم، ومَنْ تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين.

أما بعد:

فقد جاء الإسلام والناس يتعاملون فيما بينهم، ولهم عادات يقومون بها، فحرَّم عليهم بعض معاملاتهم، وعاداتهم، وسكت عن بعضٍ فلم يحرمها عليهم، ولذا قال العلماء: «إن الأصل في الأشياء الإباحة»، يريدون أن الأصل في عادات الناس وأشيائهم الإباحة ما لم تخالف أصلًا شرعيًّا.

بخلاف العبادات فلم تكن ثم كانت، ولا يجوز الزيادة على ما كانت، ومعنى ذلك أنها لم تكن موجودة قبل ورود الإسلام، وإنما شرعها الله عز وجل بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن المعلوم أنه لا تكليف قبل ورود الشرع، فمتى لم يرد الشرع فلا تكليف، قال الإمام العيني: «لأن التكليف عند أهل الحق لا يثبت إلا بالشرع»[1].

وهذا ظاهرٌ واضحٌ في العبادات التي تتوقَّف معرفتها على ورود الشرع بها، بخلاف العادات والأشياء ففيها خلافٌ مشهورٌ بين الأصوليين، حول حكمها قبل ورود الشرع.

وقال النوويُّ: «الأصح أنه لا حكم ولا تكليف قبل ورود الشرع لقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}[الإسراء:15]»أهـ[2]. وهو المنصوص عليه عند إمام الحرمين وغيره[3].

وفي «المستصفى» للغزالي: «الحكم لا يثبت إلا بنص أو قياس على منصوص»[4]، وفيه أيضًا: «ولا   تكليف  في حقنا إلا بما بلغنا»[5].

وهذا من المعلوم ضرورة؛ إذْ خلقَ الله عز وجل الناس لعبادته، وأرسلَ إليهم رُسُلَه، وأنزل عليهم كُتُبَه، يُعرّفهم الطريق إليه، ويُبَيِّن لهم كيفية عبادته التي يريدها، والتي لا عِلْم لأحدٍ بها إلا عن طريق الرُّسُل، ولذا لم تقم الحجة على الناس إلا بالرسالات، ولو كانت ثمة طريق أخرى لمعرفة العبادات لما كانت للرسالات فائدة، ولقامت الحجة على الناس بغير الرسالات، وهذا مما يُقْطع ببطلانه شرعًا وعقلًا.

ثم جاءت النصوص الصريحة، على اختصاص الله عز وجل بالتشريع، تأكيدًا للقضية السابقة، نحو قوله تعالى:{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ} [الشورى:21]، فأكَّد سبحانه وتعالى على اختصاصه وأحقِّيته بالتشريع، كما أَكَّد سبحانه وتعالى على ضرورة إذْنه بالعبادات والتشريعات، ومعرفة إِذْنه بذلك أن يشرعها عز وجل لعباده.

فظهر من هذا أنه لا مجال في العبادة سوى الاستسلام والطاعة، لا الاستحسان والرأي؛ لأنه لا مجال لمعرفة العبادة بالعقل.

قال ابن تيمية: «واحتجوا على أن المعرفة لا تحصل بمجرد العقل بقوله تعالى : {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآَيَاتِ اللهِ}[الأحقاف:26]، وهذه الآية وأمثالها تدل على أن السمع والأبصار والأفئدة لا تنفع صاحبها مع جحده بآيات الله، فتَبَيَّنَ أن العقل الذي هو مناط التكليف لا يحصل بمجرده الإيمان النافع والمعرفة المنجية من عذاب الله، وهذا العقل شرط في العلم والتكليف لا موجبٌ له»[6].

فلا تثبت عبادة بغير الشرع، كونها توقيفية، تتوقَّف على ورود النص بها، لا يجوز لأحدٍ التعدِّي على حق الله في تشريعها، ولا الافتئات على عباد الله باختراع عبادات لهم ما أنزلها الله.

وتقوم العبادة على الاستسلام والطاعة لله، قيامًا بالعبودية، وأداءً لحق شكر نعمته على عباده، بينما تقوم العادات على مراعاة مصالح الناس.

يقول الكاساني (الحنفي): «إن العبادات و جبت لحق العبودية أو لحق شكر النعمة» [7].

وقال الشاطبي (المالكي): «الأصل في العبادات بالنسبة إلى المكلف التعبد دون الالتفات إلى المعاني، وأصل العادات الالتفات إلى المعاني، أما الأول: فيدل عليه أمور: منها الاستقراء؛ فإِنَّا وجدنا الطهارة تتعدَّى محل موجبها، وكذلك الصلوات خُصَّتْ بأفعال مخصوصة على هيئات مخصوصة إن خرجت عنها لم تكن عبادات..»[8].

فإذا تقرَّر هذا؛ فإنه لا يجوز لأحدٍ أن يتعبَّد الله عز وجل بما ليس مِن شريعته، خاصةً بعد ورود الوعيد لأولئك الذين يُحْدِثون في الدين؛ ويضيفون إليه ما ليس منه.

وفي الحديثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا» ثُمَّ قَالَ: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ}[الأنبياء:104] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ثُمَّ قَالَ: «أَلَا وَإِنَّ أَوَّلَ الْخَلَائِقِ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، أَلَا وَإِنَّهُ يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُصَيْحَابِي؛ فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ[9]: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}[المائدة:117] فَيُقَالُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ»[10]. وفي روايةٍ مِن حديثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّكَ لَا عِلْمَ لَكَ بِمَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ إِنَّهُمْ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ الْقَهْقَرَى»[11].

قال النووي في «شرح صحيح مسلم»: «وقال الإمام الحافظ أبو عمرو بن عبد البَرّ : كلّ مَن أَحْدَث في الدِّين فهو مِن المطرودين عن الحوض كالخوارج والروافض وسائر أصحاب الأهواء, قال : وكذلك الظَّلَمَة المسرفون في الجَوْرِ وطَمْسِ الحق والمعلنون بالكبائر , قال : وكلّ هؤلاء يُخَاف عليهم أن يكونوا ممن عنوا بهذا الخبر . والله أعلم» انتهى.

فانحصر الأمر بين عدة أمور لا يسع العباد الخروج منها أو التغافل عنها، وهي:

الأول: أنه لا تكليف قبل ورود الشرع.

الثاني: أن التشريع حقٌّ خالصٌ لله عز وجل لا يجوز الافتئات عليه.

الثالث: أن الإحداث في الدين منهيٌّ عنه؛ مطرودٌ صاحبه عن حوضِ النبي صلى الله عليه وسلم.

الرابع: أن الوسيلة الوحيدة إلى الله عز وجل هي رُسُل الله I ورسالاته، وكتبه التي أمرهم باتباعها.

ولهذا قال تعالى:{قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [12]، وقال: {مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}[13].

قال الأزهر الشَّريف في بيانه للناس: «لاشك أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيلتنا إلى الله، مِنْ حَيْثُ إِنَّه مُعَلِّم ومُرْشِد، فطاعته وحبّه أساس حب الله لِلْعَبْدِ» أهـ [14].

وقال عز وجل:{ اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً}[المائدة:3]، فأخبر أنه أَكْمَلَ الدين وأَتَمَّ النِّعْمَةَ، فلا يجوز الزيادة على ما أكمله الله وأَتَمَّه لعباده، بل لا يجوز اعتقاد إمكانية الزيادة على ما أكمله الله وأَتَمَّه، لما في ذلك من سوء الاعتقاد وسوء الظنِّ بالله عز وجل، ومن هنا يظهر الخطر الذي يحيط بالمبتدعة والمُحْدِثين في الدين؛ فإِنهم بإحداثهم في الدين يقولون بلسان حالهم: إِنّ الله لم يُكمل دينه، ولا أتم نعمته، فأي ضلال بعد معارضة كلام الله الواضح الصريح، وأي سوء ظنٍّ وفساد اعتقادٍ بعد رفض تصديق ما قاله الله عز وجل ؟.

فإن قيل: فكيف يعرف الناس حكم الأمور التي تحدث لهم، والتي لم يأتِ بها النص الصريح، مثل كثير من الأحكام المعاصرة؟.

فالجواب: أن الله عز وجل لم يُخل عباده من دلالة على كل ما يستجد من الأمور، في كل العصور، وما من شيءٍ إلا وقد وضع الله له دلالة في دينه، إما بالنص الصريح، أو بالقياس على مِثْلِه.

وقد سبق عن «المستصفى» للغزالي: «الحكم لا يثبت إلا بنص أو قياس على منصوص».

وقال الشاطبي: «الأدلة الشرعية ضربان: أحدهما: ما يرجع إلى النقل المحض. والثاني: ما يرجع إلى الرأي المحض، وهذه القسمة هي بالنسبة إلى أصول الأدلة، وإلا فكل واحد من الضربين مفتقرٌ إلى الآخر؛ لأن الاستدلال بالمنقولات لا بد فيه من النظر، كما أن الرأي لا يعتبر شرعا إلا إذا استند إلى النقل، فأما الضرب الأول: فالكتاب والسنة، وأما الثاني: فالقياس والاستدلال، ويلحق بكل واحد منهما وجوه..»[15]. وقال أيضًا: «فليس القياس من تصرفات العقول محضًّا، وإنما تصرَّفَتْ فيه من تحت نظر الأدلة، وعلى حسب ما أعطته من إطلاقٍ أو تقييدٍ، وهذا مُبَيَّنٌ في موضعه من كتاب القياس، فإِنَّا إذا دَلَّنا الشرعُ على أن إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه مُعْتَبَرٌ، وأنه من الأمور التي قصدها الشارع وأمرَ بها ونَبَّه النبي صلى الله عليه وسلم على العمل بها، فأين استقلال العقل بذلك؟ بل هو مُهْتَدٍ فيه بالأدلة الشرعية يجري بمقدار ما أَجْرَتْهُ ويقف حيث وقفته»[16].

فظهر مما سبق أن الأصل في العبادات الشرعية الحظر والمنع؛ لافتقارها إلى الشرع، بخلاف العادات والأشياء فالأصل فيها الإباحة حتى تأتي الشريعة بحظرها.

قال ابن تيمية: «تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم، وعادات يحتاجون إليها في دنياهم، فباستقراء أصول الشريعة نعلم أن العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع، و أما العادات: فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه، والأصل فيه عدم الحظر فلا يحظر منه إلا ما حظره الله صلى الله عليه وسلم، و ذلك لأن الأمر والنهي هما شرع الله، والعبادة لابد أن تكون مأمورًا بها، فما لم يثبت أنه مأمورٌ به كيف يُحكم عليه بأنه عبادة؟ و ما لم يثبت من العبادات أنه مَنْهِيٌّ عنه كيف يُحكم على أنه محظور؟ و لهذا كان أحمد و غيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إن الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى، وإلا دخلنا في معنى قوله: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله}.

و العادات: الأصل فيها العفو، فلا يحظر منها إلا ما حَرَّمه، وإلا دخلنا في معنى قوله: {قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما و حلالا}، و لهذا ذم الله المشركين الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله و حرموا ما لم يحرمه في سورة الأنعام من قوله تعالى: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث و الأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم و هذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم و ليلبسوا عليهم دينهم و لو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون وقالوا هذه أنعام و حرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون}، فذكر ما ابتدعوه من العبادات و من التحريمات، و في صحيح مسلم عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ t عَنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى))إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ، فَاجْتَالَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا(([17]. وهذه قاعدة عظيمة نافعة»[18].

ولهذا كانت العبادة الخارجة عن مطلق التشريع باطلة، لا تصح، لأنه لابد لأي عمل من داعٍ وباعث يحمل عليه، فإن لم يكن داعية العمل هو الشرع لم يكن له داعية سوى الهوى؛ لأنه هو الوارد في مقابلة اتِّباع النصوص الشرعية، فإما الشرع وإما الهوى، نحو قوله عز وجل: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ}[القصص:50]، وقوله تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً}[الفرقان:43].

وقال الشاطبي: «كل عمل كان المتبع فيه الهوى بإطلاق من غير التفات إلى الأمر أو النهي أو التخيير فهو باطل بإطلاق لأنه لا بد للعمل من حامل يحمل عليه وداع يدعو إليه فإذا لم يكن لتلبية الشارع في ذلك مدخل فليس إلا مقتضى الهوى والشهوة وما كان كذلك فهو باطل بإطلاق لأنه خلاف الحق بإطلاق، فهذا العمل باطل بإطلاق بمقتضى الدلائل المتقدمة..»، قال الشاطبي: «فأما العبادات فكونها باطلة ظاهر، وأما العادات فذلك من حيث عدم ترتب الثواب على مقتضى الأمر والنهي فوجودها في ذلك وعدمها سواء، وكذلك الإذن في عدم أخذ المأذون فيه من جهة المُنْعِم به كما تقدم في كتاب الأحكام وفي هذا الكتاب. وكل فعل كان المتبع فيه بإطلاق الأمر أو النهي أو التخيير فهو صحيح وحق»[19].

فالشرع ما شرعه الله في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وما سوى ذلك فهوًى مُتَّبَع، وباطلٌ لا ثواب عليه؛ إِذِ الثواب على الشرع، فما لم يكن شرعًا فلا ثواب فيه، بل هو باطلٌ مردودٌ على صاحبه.

ولهذا قالت دار الإفتاء المصرية حينما سُئِلَتْ عن الذِّكْرِ الملحون:  «اتفق جميع أهل العلم سلفا وخلفا على أن الذكر الملحون ليس ذكرًا شرعيًّا فلا ثواب فيه. وقد نصَّ على ذلك غير واحدٍ كسيدي مصطفى البكري»[20].

ومصداق هذا قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه جابر بن عبد الله رضي الله عنه: «خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ بِدْعَةٍ»[21]، وفيما رواه عنه العرباض بن سارية رضي الله عنه: «وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»[22]، وقال صلى الله عليه وسلم فيما روته عنه عائشة رضي الله عنها: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ»[23]، وفي رواية: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[24].

قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله: «البدعة في الدين هي ما لم يشرعه الله ورسوله، وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب، فأما ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب، وعُلم الأمر بالأدلة الشرعية، فهو من الدين الذي شرعه الله ...» إلى أن قال: « ... سواء كان هذا مفعولاً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أو لم يكن» [25].

وقال أيضا: «السنة هي ما قام الدليل الشرعي عليه بأنه طاعة لله ورسوله، سواء فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فُعِلَ على زمانه، أو لم يفعله ولم يُفْعَل على زمانه، لعدم المقتضي حينئذ لفعله أو وجود المانع منه، ...... فما سنه الخلفاء الراشدون ليس بدعة شرعية يُنْهى عنها، وإنْ كان يسمى في اللغة بدعة فكونه ابتُدِئَ»[26].

ومن هنا وجب اتِّباع النبي صلى الله عليه وسلم في فِعْلِه وتَرْكِه؛ فالكل شرع، وفِعْلُه وتركُه في ذلك سواء، فيجب الاقتداء في تركه كما يجب ذلك في فعْلِه، وكما لا يجوز ترك ما فعله أَوْ أمر به؛ كذلك لا يجوز العمل بما تركه ولم يعمل به، بعد توفُّر الدواعي لهذا العمل في زمنه صلى الله عليه وسلم؛ لأن تركه صلى الله عليه وسلم العمل بالشيء مع توفُّر دواعيه يدلُّ على عدم مشروعيته؛ إِذِ التشريع كما يكون بالفعل يكون بالترك أيضًا.

ولهذا قال الإمام الشافعي رحمه الله:«ولكنا نتبع السنة فعلاً أو تركًا»‏[27].

وقال ابن القيم رحمه الله: «فإنَّ تَرْكه صلى الله عليه وسلم سُنَّة كما أنَّ فِعْله سُنة، فإذا استحببنا فِعل ما تركه؛ كان نظيرَ استحبابنا ترك ما فعله، ولا فرق» أهـ[28].

وهذا كله في باب العبادات كما أسلفنا، بخلاف الأشياء والوسائل المادية العادية للناس فالأمر فيها واسعٌ، والأصل فيها الإباحة، ما لم تتعارض مع الضوابط الشرعية، بخلاف العبادات، وهذا أيضًا مِن  التيسير؛ لئلا يشق الناس على أنفسهم بالتزام ما لم يلزمهم الشرع به، فيشق ذلك عليهم من جهة، ومن جهة أخرى قد يؤدي عملهم ببعض البدع إلى ضياع بعض السنن؛ ولذا يقول حسَّان بن عطية المُحَارِبي رحمه الله: «ما ابتدعَ قومٌ بدعةً في دينهم إِلَّا نَزَعَ اللهُ مِن سُنَّتِهِمْ مثلها ثم لا يُعيدها إليهم إلى يوم القيامة»[29].

وضابط ذلك كله كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «والضابط في هذا والله أعلم أن يقال: إن الناس لا يحدثون شيئًا إلا لأنهم يرونه مصلحةً؛ إذ لو اعتقدوه مفسدةً لم يحدثوه؛ فإنه لا يدعو إليه عقل ولا دين، فما رآه الناس مصلحةً؛ نُظِرَ في السبب المُحْوِج إليه؛ فإن كان السبب المحوج إليه أمرًا حدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم لكن من غير تفريط منه؛ فهنا قد يجوز إحداث ما تدعو الحاجة إليه، وكذلك إن كان المقتضي لفعله قائمًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن تركه النبي  صلى الله عليه وسلم لمعارضٍ زال بموته، وأما ما لم يحدث سبب يحوج إليه، أو كان السبب المحوج إليه بعض ذنوب العباد فهنا لا يجوز الإحداث، فكل أمرٍ يكون المقتضي لفعله على عهد رسول الله  صلى الله عليه وسلم موجودًا، لو كان مصلحة ولم يُفْعَل: يُعْلم أنه ليس بمصلحةٍ، وأما ما حدث المقتضي له بعد موته من غير معصية الخالق؛ فقد يكون مصلحةً...»إلخ[30].

وهذا وجهٌ آخر من شمولية الشريعة لكل ما يستجد من نوازل، شرط أنْ لا يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد تركها بعد توفُّر الدواعي لها في  زمنه صلى الله عليه وسلم، فهناك فرق بين ما توفَّرت الدواعي له وتركه النبي صلى الله عليه وسلم، وبين ما لم يكن موجودًا وحدَثَ بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فالأول لا يجوز إحداثه ولا فِعْلِه بعد تَرْكِ النبي صلى الله عليه وسلم له رغم وجوده أو توفُّر الدواعي له في زمنه صلى الله عليه وسلم، والثاني يجوز فِعْله إذا توافرتْ فيه المصلحة الشرعية؛ كونه من المستجدات التي يُعلم حكمها مِن النصِّ أو القياس عليه.

ومِن ثَمَّ يُعْلم أننا لا نُحَجِّر واسعًا، ولا نطالب بالجمود، كما يُشاع عندما نتكلم في مثل هذه الأبحاث؛ وإنما نطالب بالانضباط تحت لواء الشريعة، في جميع النوازل.

ومما سبق يتضح أننا مُتَعَبَّدون باتِّباع النبي صلى الله عليه وسلم في ترْكِه، كما أننا متعبَّدون باتباعه في فِعْلِه صلى الله عليه وسلم، وهذا من المعلوم ضرورةً؛ إِذْ شهدت العقول السليمة بأن التَّرْكَ فِعْل، ولهذا يقول كثيرٌ من الأصوليين كالشاطبي وغيره بأن الأحكام الشرعية تنقسم إلى أفعال وتروك، فأما الأفعال فمنها الصلاة ونحوها، وأما التروك فمنها اجتناب المحرمات كالسرقة ونحوها، ولو لم يكن الترك فِعْل لما ترتَّب عليه الحساب، ولهذا كان تَرْك النبي صلى الله عليه وسلم معتبرًا لدى الأصوليين؛ بل جعلوا البيان بالترك أحد أنواع البيان.

والترك نوعان: ترك مقصود، وترك غير مقصود.

فأما الترك غير المقصود فليس موضعًا للقدوة، فلا يدل على جواز ولا كراهة ولا تحريم، كونه غير مقصود، مثل أنْ يترك النبي صلى الله عليه وسلم الشيء كونه لم يكن في زمانه وإنما حَدَثَ بعده صلى الله عليه وسلم.

وفي نحو هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية أثناء كلامه عن دخول الحمامات: «ليس لأحد أن يحتج على كراهة دخولها، أو عدم استحبابه، بكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخلها، ولا أبو بكر وعمر، فإن هذا إنما يكون حجة لو امتنعوا من دخول الحمامات، وقصدوا اجتنابها، أو أمكنهم دخولها فلم يدخلوها، وقد علم أنه لم يكن في بلادهم حينئذ حمام، فليس إضافة عدم الدخول إلى وجود مانع الكراهة أو عدم ما يقتضي الاستحباب، بأولى من إضافته إلى فوات شرط الدخول وهو القدرة والإمكان.

وهذا كما أن ما خلقه الله في سائر الأرض، من الأقوات واللباس والمراكب والمساكن، لم يكن كل نوع منه كان موجودًا بالحجاز؛ فلم يأكل النبي صلى الله عليه وسلم من كل نوع من أنواع الطعام، القوت والفاكهة، ولا لبس من كل نوع من أنواع اللباس، ثم إن مَن كان من المسلمين بأرض أخرى كالشام ومصر واليمن وخراسان وغير ذلك، عندهم أطعمة وثياب مجلوبة عندهم، أو مجلوبة من مكان آخر، فليس لهم أن يظنوا ترك الانتفاع بذلك الطعام واللباس سنّة، لكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يأكل مثله ولم يلبس مثله؛ إذ عدم الفعل إنما هو عدم دليل واحد من الأدلة الشرعية، وهو أضعف من القول، باتفاق العلماء، وسائر الأدلة من أقواله كأمره ونهيه وإذنه، ومن قول الله تعالى، هي أقوى وأكبر، ولا يلزم من عدم دليل معين عدم سائر الأدلة الشرعية». أهـ[31].

وأما الترك المقصود، فهو الذي يُعَبَّر عنه بالكف، أو الإمساك، أو الامتناع.

وهل الكفّ فعل من الأفعال؟:

يرى كثير من الأصوليين أن الكَفَّ فِعْلٌ من الأفعالِ، وهو عندهم فعل نفسي، ونُسب إلى قوم (منهم أبو هاشم الجبائي) أَنَّ الكَفَّ انتفاءٌ محض، فليس بفعل، والأول أولى، كما هو معلومٌ بالوجدان.

ويقول الإمامُ ابنُ حزمٍ: «التَّرْكُ من المخلوقِ للفِعْلِ فِعْلٌ؛ برهان ذلك: أَنَّ تَرْكَ المخلوقِ للْفِعْلِ لا يكونُ إِلَّا بِفِعْلٍ آخر منه ضرورةً؛ كتاركِ الحركة لا يكون إلا بِفعل السّكون، وتاركِ الأكل لا يكون إلا باستعمالِ آلات الأكلِ في مُقَارَبَةِ بعضها بعضًا أو في مُبَاعَدَةِ بعضِها بعضًا؛ وبتعويض الهواء وغيره من الشيء المأكولِ، وكتاركِ القيام لا يكون إلا باشتغالهِ بِفِعْلٍ آخر من قُعودٍ أوْ غيره»[32]. ويقول ابنُ حزم أيضًا: «وتَرْكُ الشيءٍ ضدّ فِعْله» اهـ [33].

بل حتى النَّظَّام المجرم الذي ألَّفَ في تفضيل التثليث على التوحيد كان يقول: «إنَّ الفعل والتَّرْك كلاهما طاعة»[34].

وأيضًا نحن نجد في الكتاب والسنة إشارات إلى أَنَّ الكَفَّ فِعْلٌ:

منها قوله تعالى:{لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}[المائدة: 63]، فسمى الله تعالى ترك العُبّاد والعلماء للنهي عن المنكر صنعًا، والصنع فعل.

وقوله تعالى:{وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا القُرْآَنَ مَهْجُورًا} [الفرقان:30]؛ إذ الاتخاذ افتعال، والمهجور المتروك.

ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه أبو ذَرٍّ رضي الله عنه: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي، حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا، فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا: الْأَذَى يُمَاطُ عَنْ الطَّرِيقِ، وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِي أَعْمَالِهَا: النُّخَاعَةَ تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ لَا تُدْفَنُ»[35]؛ فجعل ترك دفنها ممن يراها عملاً سيئًا.

ومن أجل ما في فِعْلِيَّةِ الكف من الخفاء، ولأجل التباسه بالترك العدميّ، أخرجوه من حيّز الأفعال الصريحة.

فالترك إما عدميّ: وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أغفل الحكم في أمور لم تعرض له ولم تحدث في زمانه، فترك فعلها، وترك القول في شأنها، لعدم المقتضي لذلك القول والفعل، ويذكره الأصوليون في أبواب مختلفة، كباب القياس، والمصلحة المرسلة، وغير ذلك.

وإما وجوديّ: وهو الكف، وهو أن يوجد المقتضي للفعل أو القول، فيترك الفعل والقول، ويمتنع عنهما، مع إمكان فعله.

وهذا القسم نوعان:

الأول: ترك الفعل والإعراض عنه.

والثاني: ترك القول، وهو على منزلتين؛ لأنه إما سكوت عن الجواب وغيره من أنواع القول ما عدا الإنكار، وإما سكوت عن الإنكار خاصة، فيسمى التقرير [36].

والمقصود هنا هو القسم الأول من الكف، وهو الترك المقصود للفعل، وهو داخل في المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي (السُّنَّة)، ويستدل به الفقهاء في إثبات الحكم الشرعي، وكذا يذكره الأصوليون في باب بيان المجمل؛ فمثلا يقول الرازي: «المسألة الثانية في أقسام البيانات: اعلم أن بيان المجمل؛ إما أن يقع بالقول، أو بالفعل، أو بالترك»[37].

وقال أبو حيان أثناء كلامه على «مراتب البيان للأحكام»: «وقد ذَكَرَه الشافعيُّ في أول (الرسالة) ورتَّبها خمسة أقسام، بعضها أوضح بيانًا من بعض. فأولها: بيان التأكيد»، إلى أن قال: «وتعجَّبَ المازَري من الغزالي: كيف حكى الاتفاق على أن مراتب البيان خمسة، وإنما اختلفوا في أوضاعها؟ ثم قال أئمتنا ـ منهم ابن السمعاني ـ: يقع بيان المجمل لستة أوجهٍ؛ أحدها: بالقول وهو الأكثر...، والثاني: بالفعل...، الثالث: بالكتاب...، الرابع: بالإشارة...، الخامس: بالتنبيه...، السادس: ما خُصَّ العلماء ببيانه عن اجتهاد...، وزاد شارح (اللُّمع): سابعًا: وهو البيان بالترك؛ كما رُوِي أن آخر الأمرين ترك الوضوء مما مسته النار[38]، وقد يرجع إلى البيان بالفعل؛ لأن الترك كفٌّ، والكفُّ فِعْلٌ»[39].

فالكف عن فعل شيء، بعد وجود الداعي إلى فعله؛ يدل على تَرْكِه عمدًا.

فإذا صدر هذا النوع من التروك عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فهو من سنته؛ لشمولها فعلَ ما فعله صلى الله عليه وسلم، وترك ما تركه قاصدًا تركه مع قيام الداعي إلى فعله، وكونه من العبادات التي يُتَقَرَّب إلى الله بها، لا العادات والأشياء.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

***************************************************************************

[1]  «عمدة القاري شرح صحيح البخاري» للعيني (1/299).

[2] «شرح صحيح مسلم» (11/2).

[3]  وانظر: «الإبهاج» للسبكي (1/144).

[4]  «المستصفى» للغزالي (72).

[5]  المصدر السابق (255).

[6] «درء التعارض» (4/378).

[7] «بدائع الصنائع» للكاساني (2/290).

[8] «الموافقات» (2/300).

[9] أي نبي الله عيسى عليه السلام.

[10] رواه البخاري، 4625، ومسلم، 2860.

[11] رواه البخاري، 6586.

[12] آل عمران: 31.

[13] النساء: 80.

[14] كتاب «بيان للناس مِن الأزهر الشريف»، تقديم: شيخ الأزهر جاد الحق علي جاد الحق، ج2 صفحة80، طبع: مطبعة الأزهر 5000/10/1989، رقم الإيداع 2852/1988.

[15] «الموافقات» للشاطبي (3/41).

[16]  المصدر السابق (1/89).

[17]  أخرجه مسلم، 2865 ولفظه: «وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ، كُلَّهُمْ وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا».

[18] «الفتاوى الكبرى» لابن تيمية (4/5)، «مجموع فتاوى ابن تيمية» (29/17).

[19] «الموافقات» للشاطبي (2/173).

[20] فتاوي دار الإفتاء المصرية، الموضوع (672) بتاريخ 23 جمادى الآخرة 1334 هجرية - 26 أبريل 1916 م، المفتي: فضيلة الشيخ محمد بخيت.

[21] أخرجه مسلم (867).

[22] أخرجه أحمد (16694، 16695)، وأبو داود (4607)، والترمذي (2676)، وابن ماجة (42) والدارمي (95)، وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (6/526).

[23] أخرجه البخاري (2697)، ومسلم ( 1718).

[24] أخرجه مسلم (1718)، وعلَّقه البخاري في «صحيحه» كتاب البيوع، باب النَّجْش، وفي كتاب الاعتصام، باب إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطأ.

[25] «مجموع الفتاوى» (4/107ـ 108).

[26] المصدر السابق (21/317ـ 319).

[27] فتح الباري‏ (3/475).

[28] «إعلام الموقعين عن رب العالمين» (2/460).

[29] أخرجه الدارمي (98) بإسناد صحيح، وصححه الألباني.

[30] «اقتضاء الصراط المستقيم» (2/100).

[31] انظر: «مجموع فتاوى ابن تيمية» (21/314).

[32]  كتاب «الفِصَل في المللِ والأهْوَاءِ وَالنِّحَل»، لابنِ حزمٍ، ج1 صفحة 19.

[33] «الإحكام في أصول الأحكام»، لابن حزم، ج3 صفحة 326.

[34]  «الفَرْقُ بَيْنَ الفِرَقِ»، لأبي مَنْصُورٍ البَغْدَادِيِّ، صفحة 130.

[35] أخرجه مسلم (553).

[36] من أول الكلام على نَوْعَي الترك حتى هنا: مستفاد جله وبتصرف من كتاب «أفعال الرسول ودلالتها على الأحكام الشرعية» للدكتور محمد سليمان الأشقر.

[37] «المحصول» (3/261).

[38] يشير إلى رواية أبي داود (192) وغيره، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: «كَانَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ»، وفي لفظ النسائي في «الكبرى» (188) و«المجتبى» (185): «كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ». وقال الترمذي في «الجامع» (80): «والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والتابعين، ومن بعدهم، مثل سفيان، [ص:120] وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق: رَأَوْا ترك الوضوء مما مست النار، وهذا آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكأن هذا الحديث ناسخٌ للحديث الأول حديث الوضوء مما مست النار» أهـ.

[39] «البحر المحيط» لأبي حيان (3/480ـ 482).

خطبة الجمعة ، د. عصام البشير ، فرنسا ( غاية الوجود )

جميع الحقوق محفوظة © الماسة